رويترز العربية - الخارجية الأسترالية تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان يني شفق العربية - سوريا.. القبض على عنصر من "داعش" متورط بقتل عسكري العربي الجديد - "داعش" في سورية.. استعادة نشاط أم عمليات محدودة لا تهدد الاستقرار؟ العربي الجديد - عائلة عبيات تقف وحيدة في وجه الاستيطان الإسرائيلي قناه الحدث - فوازير رمضان.. تاريخ محفور بالذاكرة من الإذاعة إلى زمن النجومية الخالدة Euronews عــربي - خطوة غير مسبوقة: السفارة الأمريكية تقدم خدمات قنصلية في مستوطنات الضفة الغربية الجزيرة نت - حريق في مطار كيب تاون الدولي يعطل الرحلات مؤقتا التلفزيون العربي - إسرائيل مسؤولة عن قتل ثُلثيهم.. 2025 أكثر الأعوام دموية بحقّ الصحفيين الجزيرة نت - أحكام ضد قضاة وموظفين في بوركينا فاسو بتهم فساد Euronews عــربي - الأسواق الأوروبية تسجّل مستويات قياسية مع انحسار مخاوف الرسوم الجمركية
عامة

باسم “الريادة” صفقات بالملايير تخرق الدستور لشرعنة الوهم البيداغوجي

العمق المغربي
العمق المغربي منذ 1 أسبوع

في مشهد سوريالي يطغى عليه منطق “المقاولة” على حساب “المدرسة“، تعيش منظومة التربية والتكوين في المغرب عصرا تدبيرياً جديدا. إن لجوء وزارة التربية الوطنية إلى إسناد تقييم “مدارس الريادة” إلى المرصد الوطن...

ملخص مرصد
وزارة التربية المغربية تستعين بمكاتب دراسات خاصة لتقييم 'مدارس الريادة' بتكلفة تفوق 3.7 مليار سنتيم، متجاوزة الهيئة الوطنية للتقييم الدستورية. هذه الخطوة تعكس أزمة ثقة في الفاعلين التربويين وتكرس منطق التدقيق الخارجي على حساب استقلالية المدرسين.
  • تجاوزت الحكومة المغربية الهيئة الوطنية للتقييم الدستورية لصالح مكاتب دراسات خاصة
  • تكلفة التقييم تفوق 3.7 مليار سنتيم لشراء 'حقيقة إحصائية منمقة'
  • الإجراء يعكس أزمة ثقة في الأساتذة ويكرس منطق التدقيق الخارجي المفرط
من: وزارة التربية المغربية والحكومة أين: المغرب متى: غير محدد (حالي)

في مشهد سوريالي يطغى عليه منطق “المقاولة” على حساب “المدرسة“، تعيش منظومة التربية والتكوين في المغرب عصرا تدبيرياً جديدا.

إن لجوء وزارة التربية الوطنية إلى إسناد تقييم “مدارس الريادة” إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، الذي تحول بدوره إلى قنطرة لتمرير صفقات بمليارات السنتيمات لمكاتب دراسات خاصة، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان صريح عن موت الثقة في المؤسسات الدستورية وفي الفاعل التربوي على حد سواء.

نحن أمام عملية تبييض بيداغوجي كبرى تُهدر فيها أزيد من 3.

7 مليار سنتيم لشراء حقيقة إحصائية منمقة، بينما تُغتال في واضحة النهار الصلاحيات الدستورية للهيئة الوطنية للتقييم، ويُهمش جيش من المفتشين التربويين، ويُوضع الأستاذ تحت وصاية “التدقيق” المفرط في الريبة والتشكيك.

وفي الوقت الذي تتجه فيه المنظومات التربوية الأكثر تقدماً في العالم نحو تعزيز استقلالية المدرس وترسيخ ثقافة “الثقة المهنية“، يختار المغرب، عبر مشروع “مدارس الريادة“، السير في الاتجاه المعاكس تماماً.

لا يمكن فهم خطورة القفز على الهيئة الوطنية للتقييم دون استحضار تراكمها المعرفي الصارم.

طوال سنوات، بنت الهيئة مصداقيتها كطرف دستوري محايد، يمتلك الخبرة والمنهجية العلمية التي لا تجامل السياسيين، وهو ما جعل منها صوتاً مزعجاً لكل من يحاول تجميل الواقع التعليمي بأرقام وردية.

لكن الحكومة، حين اصطدمت بتقرير الهيئة الوطنية للتقييم الذي كشف أن مفعول مدارس الريادة هو تحسن لحظي سرعان ما يتبخر بعد فترات الدعم المكثف، قررت إعدام التقرير مؤسساتياً.

لقد سجلت الهيئة بصرامة علمية معترف بها أن الكثير من تلاميذ هذه المدارس لم يتحكموا في كفايات المنهاج، وأن نسبة التلامذة الذين يتحكمون في التعلمات الأساس تبقى ضعيفة في بعض المستويات وبعض المواد مقارنة مع ما سجله المغرب سنة 2021 في اختبار بيرلز، 19% فقط في العربية السنة الرابعة ابتدائي في مدارس الريادة مقابل 41% في بيرلز، فكان الرد هو الالتفاف على عين الرقابة المستقلة والبحث عن “عين مأجورة” تحت الطلب، بدلاً من الامتثال للمادة 53 من القانون الإطار 51.

17 التي تمنح المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، من خلال الهيئة حصرية التقييم، انسجاما مع المكانة التي منحها الدستور للمجلس فس هذا المجال.

تعتمد الدول التي تحتل صدارة مؤشرات جودة التعليم على المستوى الدولي على مبدأ الثقة في الأستاذ.

في هذه الدول، يُعتبر التقييم الذي يجريه المدرس داخل قسمه أسمى درجات الحقيقة البيداغوجية، وعملية التقييم هي فعل بيداغوجي بامتياز يمارسه المدرس داخل قسمه بقدر من الاستقلالية، مع توفير الشروط الضرورية لمواكبته المهنية في هذه المهمة العسيرة.

بل إن دولاً عديدة تخلت نهائياً عن منطق منح النقط في المستويات الابتدائية، إيماناً منها بأن التعلم فعل إنساني معقد لا يمكن اختزاله في خانات رقمية.

أما في المغرب، فتقرر الحكومة إنفاق الملايير لتدقيق النقط التي يمنحها الأستاذ، وهذا المنطق لا يعكس فقط أزمة ثقة حادة في الفاعل التربوي، بل يعكس جهلاً مطبقاً بالتوجهات الحديثة.

إن التدقيق الخارجي لتقييم الأستاذ هو قمة التايلورية التربوية، حيث يُنظر للأستاذ كعون تنفيذ يحتاج إلى مراقب خارجي يدقق خلفه.

إن رصد أموال طائلة لمكاتب خاصة للتحقق من نتائج التقييمات الداخلية هو إهانة معنوية للجسم التعليمي، وتكريس لمقاربة الارتياب التي تحول المؤسسة التعليمية إلى وحدة إنتاجية خاضعة لمقاييس الجودة المكتبية، بدلاً من أن تكون فضاءً تربويا يحفز على الإبداع.

كما أنها تحول القسم إلى فضاء للمطاردة الإحصائية المفرغة من الكثير من مقومات المعنى البيداغوجي.

يكمن الخطر الأكبر في أن منطق التدقيق الخارجي مرتبط بالتوظيف غير المناسب لما يسمى “عتبة الأداء“؛ حيث يُطالب الأستاذ بتمكين نسبة مئوية معينة من التلاميذ من التعلمات الأساس تحت طائلة المساءلة.

هذا الطريق سلكته الولايات المتحدة سابقاً عبر برنامجها الشهير “No Child Left Behind” (لا نترك أي طفل خلفنا)، وكانت النتائج كارثية بكل المقاييس تجسدت أولا في تكريس منطق التدريس من أجل الاختبارالذي حول المدرسين إلى آلات لتدريب التلاميذ على اجتياز الاختبارات فقط، مع إهمال باقي المواد الدراسية التي لا تظهر في “جداول التدقيق“.

ثانيا في التضليل الإحصائي بحيث أن ضغط “العتبة” دفع الكثير من المؤسسات إلى التلاعب بالبيانات أو خفض مستوى الاختبارات لإظهار نجاح وهمي.

ثالثا انهيار المعنويات لأن منطق “العقوبة والمكافأة“ أدى إلى هجرة الكفاءات من مهنة التدريس.

اليوم، يعيد المغرب استنساخ هذا الفشل بمليارات السنتيمات، متجاهلاً أن التعليم يُبنى بالترغيب التربوي لا بالترهيب المحاسباتي.

إذا سلمنا، جدلاً، بضرورة هذا التدقيق والتحقق الميداني، ألا يتوفر المغرب على هيئة للتفتيش التربوي تضم آلاف الأطر ذات الخبرة والكفاءة؟ إن تهميش المفتشين التربويين في تقييم مدارس الريادة وإسناد المهمة لمكاتب دراسات خاصة هو اعتراف بالفشل في تدبير الموارد البشرية للدولة.

ولن نستغرب، ما دمنا نعيش قمة العبث، أن تعتمد هذه المكاتب على هذه الكفاءات الوطنية عندما تفوز بالكعكة الشهية.

إن المفتش التربوي هو المراقب الطبيعي والقانوني، وتجاوزه لصالح “مستجوبين” مأجورين بـ 1.

6 مليار سنتيم في الصفقة الأولى للمرصد الوطني للتنمية البشرية هو هدر مزدوج: هدر مالي عبر صرف ميزانيات ضخمة لخدمات يمكن لهيئة التفتيش القيام بها كجزء من مهامها الوظيفية.

وهدر مؤسساتي عبر إضعاف هيبة المفتشية وتحويلها إلى متفرج على صفقات “المناولة التقييمية“.

إن صرف ميزانية ضخمةلجمع بيانات وقياس “المطابقة” هو اعتراف ضمني برغبة الوزارة في إخراج العملية من يد “موظفي الدولة” الذين يملكون استقلالية نسبية، ووضعها في يد “مستجوبين” مأجورين يسهل توجيه تقاريرهم.

إن إطلاق المرصد لصفقتين بملايير السنتيمات يثير تساؤلات حول المستفيد الحقيقي من هذا الكرم الحاتمي، هل هي المنظومة التربوية الوطنية أم مكاتب الدراسات الأجنبية؟ لقد علمتنا الحكومة دروسا في عدم الثقة في التقارير التي تنجزها المؤسسات الدستورية المستقلة، في مقابل الثقة العمياء إلى درجة التقديس في التقارير التي تنجزها مؤسسات دولية.

ويكفي التذكير هنا بالتهميش الذي طال تقرير الهيئة الوطنية للتقييم حول مدارس الريادة، وما قابله من تهليل وتمجيد للتقارير المنسوبة لمعهد عبد اللطيف جميل (J-Pal) رغم ما يوجه إليه من نقد علمي حول “التضليل الإحصائي” المبني على “التجارب العشوائية المضبوطة” التي تنجح في المختبرات وتفشل في المجال التربوي المحكوم بسياقات مختلفة يصعب ضبطها بشكل دقيق.

إن صرف 2.

2 مليار سنتيم للتحقق من مفعول العطل البينية هو بمثابة تمكين قانوني وماليلمؤسسات أجنبية لتقديم “شهادات علمية“ لمشروع مدارس الريادة، في عملية شرعنة لوهم بيداغوجي ستظهر حقيقته ولو بعد حين.

لنتأمل في دفاتر التحملات التي أعدها المرصد الوطني للتنمية البشرية في مجال بعيد عن اختصاصه لدرجة أنه قرر تفويته لمكاتب دراسات للقيام به، وربما باعتماد العدة العلمية نفسها التي بنتها باقتدار وعناء الهيئة الوطنية للتقييم، صاحبة الاختصاص بحكم القانون.

لقد تم تخصيص 1.

6 مليار سنتيم لمجرد جمع بيانات ميدانية وقياس “المطابقة” لمنح شارة الريادة من خلال توظيف 300 مستجوب.

فهل نحتاج لـ 300شخص من خارج المنظومة ليقولوا لنا هل المدرسة نظيفة وهل الأستاذ يطبق “الكراسة“؟ أليس هذا دور المدير والمفتش؟ كما تم تخصيص 2.

2مليار سنتيم للتحقق من التقييمات وتصحيح الاختبارات عبر 200مصحح.

إن المبلغ الإجمالي للصفقتين لو وُجه لترميم المدارس المتهالكة، أو توفير الوجبات المدرسية، أو دعم الأسر المعوزة في العالم القروي، لكان أثرها على “التنمية البشرية” أضعاف أثر تقارير منمقة ستُوضع في الرفوف بمجرد انتهاء الولاية الحكومية.

أما لو وجه لتعزيز قدرات الهيئة الوطنية للتقييم انسجاما مع التزامات البرنامج الحكومي، لأسهم فعليا في تقوية ثقافة التقييم ببلادنا عبر مأسسة آليات التقييم الخارجي المتمتع بالاستقلالية بدل إضعافها عبر انتزاع صلاحياتها ومنحها لمؤسسة أخرى تشتغل تحت إشراف رئيس الحكومة.

لكن يبدو أن هذه الأخيرة فضلت إنفاق المال العمومي على مكاتب الدراسات لتغطية شمس الحقيقة بغربال الصفقات.

إن هذه الواقعة ليست معزولة، بل هي جزء من “عقيدة سياسية” للحكومة الحالية؛ عقيدة تقوم على تهميش كل مؤسسة دستورية لا تسبح بحمد منجزاتها.

فكما هوجمت مؤسسات أخرى من طرف الحكومة فقط لأن تقاريرها تضمنت حقائق لم ترقها، فإن الهيئة الوطنية للتقييم تُعاقب اليوم بسحب ملف تقييم مدارس الريادة منها.

إنه نوع من الاستبداد الحكوميالذي يرى في الدستور والقوانين، وعلى رأسها القانون الإطار 51.

17فيما يتعلق بمجال التعليم، مجرد عوائق أمام “مسار الإنجازات” كما تتصورها الحكومة.

هذا المسار يندرج ضمن سلوك حكومي منزعج من مؤسسات الحكامة الدستورية، يريد تقييماً بمقاسات تواصلية، لا تقييماً بمرجعيات وطنية ودستورية.

إن إصلاح التعليم لا يحتاج إلى تزكيات تُشترى بالملايير، ولا إلى مدققين يطاردون الأستاذ في نقط تلاميذه، إنه يحتاج إلى تطبيق مبادئ بسيطة.

أولا، العودة إلى الشرعية الدستورية عبر تمكين الهيئة الوطنية للتقييم من ممارسة مهامها بعيداً عن محاولات التهميش التي تسيئ إلى القانون وإلى الدستور.

ثانيا، رد الاعتبار للأستاذ والأستاذة عبر استبدال منطق “الارتياب والتدقيق” بمنطق “الثقة والتكوين“.

ثالثا، إشراك هيئة التفتيش بصفتها الطرف الوطني المؤهل لضمان جودة التعلمات، بدلاً من إهدار المليارات على مكاتب الدراسات.

إن مدارس الريادة التي يُراد لها أن تكون قاطرة للإصلاح، بدأت تغرق في رمال الصفقات والمناورات المؤسساتية.

إن الحقيقة البيداغوجية لا تُباع في طلبات عروض المرصد الوطني، ولا تُشترى من مكاتب الدراسات الدولية.

الحقيقة موجودة في تقارير الهيئة الوطنية للتقييم التي تم تجميدها، وفي تقييمات المفتشين الذين تم تهميشهم، وفي عيون الأساتذة الذين لم تعد الوزارة تثق في تقديراتهم.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك