من المؤتمرات التي حضرتها مؤخراً، وكان معي ذاك الصبي الضجر الخفيف المشاغب، مؤتمر كتّاب آسيا وأوروبا في مدينة الآستانة، العاصمة الكازاخستانية، والتي تغير اسمها مؤخراً مراراً، وعادة المؤتمرات الأدبية والملتقيات الثقافية تكثر فيها كلمات مثل: أعتقد، وأتصور، ومن وجهة نظري الخاصة، ولا ريب، ولا مندوحة، وليس بالإمكان أكثر مما كان، وغيرها.
ويكون حضورها عادة ممن تجاوزوا وتحاوروا مع الستين وأنت طالع، ولا تفيد فيها تلك الصبغات المحلية الرخيصة التي تعمل بأصابع مرتجفة، وبعضهم من الذين يحفظون سورتي البقرة والنساء عن ظهر قلب، ويمكنهم أن يعربوهما إن اقتضت الحاجة أو تجده قد قرأ نيابة عن كل الحضور آلاف الكتب.
مثل هؤلاء الحاضرين والمحاضرين الواحد منهم يظل يهلّ ما في رأسه لمدة ساعة كاملة، ولا يقول آخ، لكنه ما إن يجلس على الكرسي في الجلسة الثانية التي تلي الغداء مباشرة، حتى يسمعك موسيقى القرب الأسكتلندية على أصولها، ويظل رأسه يميل على كتفه يمنة ويسرة، ويصحو على نخرة توقظه وتوقظ الفكرة.
تقاطر على المؤتمر كتّاب وأدباء من الحرس القديم، من كافة أرجاء ذلك الاتحاد الشاسع المنهار، والذي يحمل لقب الاتحاد السوفييتي سابقاً، أولئك الرفاق القدامى أو الرفاق «المؤمنين» الذين ما زالوا يتمسكون بأسنان ذهبية، وبقبعات نقابات العمال، ولا يدخنون إلا السجائر المحلية التي دون «فلتر»، بحيث إذا كَح أحدهم، سمعت سعلته من بعيد، وكأنها آتية من بئر مهجور، هؤلاء هم أكثر المتحدثين الذين كنت أخشى أن يعتلوا المنصة، لأن الورقة المعدة تجدها مكونة من ثلاثين ورقة، ومكتوبة بخط منمق ومرتب، بحيث تضيق بها الصفحة العادية، وأول ما يظهر يبدو عليه التذمر من الحياة، وانهيار منظومة القيم الأخلاقية، وعدم فهمه للجيل المتأمرك، ولا يخفي عداءه للمنصات الرقمية، ووسائط التواصل الاجتماعي الجديد، وبالتأكيد يكره شعر الشباب، ولا يريد أن يفهمه، وبعضهم يجبرك على أن تَحِنّ معه لماضٍ ما زال يعتقد أنه كان جميلاً وملهماً، ويبدي أسفاً على غياب تلك الفكرة النبيلة النيّرة.
من أولئك أيضاً من تجده يأتي المؤتمر برائحة ضجيج سهرة الأمس المتأخرة، وزاد عليها من مشروبه المحلي البائس صباحاً لكسرها، والتمسك بالاستيقاظ، ولو قليلاً، هذا إذا اعتلى المنصة قال شعراً جميلاً، لكنه ما إن يسرد، ويطرح الأفكار نثراً، حتى تتعب معه وهو يشرّق ويغرّب حتى تشك في استيعابك.
هناك أناس تجدهم ولدوا ولم يعرفوا النقود بتاتاً، وأن جيوبهم عبء خلقه الخياطون لهم ليبتلوا، يشعرونك أنهم فئة تنتمي لعهود المقايضة، هؤلاء تحتار كيف ترضيهم، وهم لا يتعبون كثيراً في محاولة التلطف معك، ويكرهون أكثر ما يكرهون الموظفين الرسميين الذين يطبعون كتبهم الهزيلة على نفقة المؤسسات الثقافية، والذين في مجملهم ممتلئون، ووجوههم طافحة بالعافية والمجاملات الاجتماعية، ولا يدرون سبب لبسهم بدلات تبدو ضيقة على مقاسات أكتافهم.
لا شيء يحول ذلك الجمع المركب والمعقد والمتجبس والمتكلس إلا ظهور امرأة أنثى ذات شَعر، ولا يهم الشِعر.
ساعتها الكل يفك عظامه، ويستقيم قوامه، ويعتدل هندامه، ويستقيم نظامه، ويريد أن ينظم فيها قصائد لم يقلها الشاعر «حمزاتوف» في «داغستان» بلده!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك