أثناء قراءتي لكتاب دراسات سيكولوجية للمفكر سلامة موسى، استوقفني حديثه عن اللغة وتطورها، حديث لم يكن عابرًا بل حمل في طياته أسئلة عميقة تتجاوز حدود اللغة إلى جوهر التخلف والتقدم في مجتمعاتنا.
فقد قال عبارة عصفت بذهني ودفعتني للتأمل طويلًا: “ومهمتنا – نحن المفكرين والأدباء والعلماء – اختراع كلمات جديدة تحمل شحنات اجتماعية عن النهضة والتمدن والفكر تجعل شعبنا يحيا الحياة العصرية، ويكتسب وجهة نظر جديدة للإنسان والمجتمع والكون”.
هذه العبارة تضعنا مباشرة أمام حقيقة أساسية، وهي أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل أداة لصناعة الوعي وتشكيل التفكير الجمعي.
فالأفكار التي لا تمتلك لغة واضحة تعبّر عنها تظل مشوشة، عاجزة عن التحول إلى مشروع ثقافي أو حضاري، ولا تعكس وجدان الأمة ولا شعورها الحقيقي.
من هنا، يصبح تطور اللغة ضرورة لا يمكن فصلها عن تطور المجتمع ذاته حسب كلام الكاتب مؤلف الكتاب السابق.
لقد أشار سلامة موسى إلى أننا في حاجة ماسة إلى توسيع لغتنا لتضم مصطلحات تناسب عصرنا، لأن المجتمع العربي، شاء البعض أم أبى، يتغير ويتطور.
ومع هذا التطور تظهر أفكار جديدة، وعلاقات اجتماعية مختلفة، وبنى سياسية وثقافية لم تكن موجودة من قبل، فكيف يمكن التعبير عنها بلغة لم تُهيأ لاستيعابها؟ إن التمسك الحرفي بالمفردات القديمة، دون إضافة أو ابتكار، يجعل اللغة عاجزة عن مواكبة هذا الحراك.
يذهب بعض المدافعين عن “نقاء” اللغة العربية إلى القول إن العربية لغة ثابتة، وإن الشواهد اللغوية المأخوذ بها قد توقفت منذ العصر العباسي، وأن واجبنا هو الحفاظ على ما وصلنا دون مساس.
غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن العربية نفسها لم تكن يومًا لغة جامدة، بل تطورت عبر العصور، ودخلتها مصطلحات جديدة فرضتها الحاجة العلمية والفكرية والاجتماعية.
وما نعدّه اليوم لغة تراثية خالصة كان في زمنه لغة معاصرة ومبتكرة.
وقد ضرب سلامة موسى مثالًا حيًا بما فعله الأدباء والمفكرون العرب حين أدخلوا مصطلحات حديثة مثل: مجتمع، أسرة، برلمان، سفور، وهي ألفاظ لم تكن مألوفة في العربية القديمة، لكنها أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من خطابنا اليومي والفكري.
كما استشهد بالتجربة الفرنسية، حيث شهدت اللغة قبل الثورة التنويرية وبعدها تحولات واسعة، ظهرت فيها مصطلحات جديدة واختفت أخرى، بما يتلاءم مع التغيرات الاجتماعية والسياسية، دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره تهديدًا للهوية.
ومن هنا يبرز السؤال الحساس: هل جمود لغتنا هو سبب تخلفنا حسب كلام الكاتب؟ الحقيقة أن التخلف ظاهرة مركبة لا يمكن اختزالها في سبب واحد، لكن اللغة الجامدة تسهم بلا شك في إنتاج فكر جامد، والفكر الجامد يكرّس واقعًا عاجزًا عن التغيير.
فحين نعجز عن تسمية الظواهر الجديدة أو تحليلها بمفردات دقيقة، نضطر إلى استهلاك مفاهيم الآخرين بلغاتهم، ونبقى أسرى لنماذج فكرية مستوردة.
وهنا يتفرع سؤال آخر شديد الحساسية: هل توسيع مصطلحات لغتنا وابتكار ألفاظ جديدة سيجعلنا نتشوه كعرب أولًا وأخيرًا؟ وهل هويتنا تنص على المحافظة على اللغة قديمة كما هي، أم أن الهوية الحقيقية تكمن في القدرة على التطور والاستمرار؟ وهل لغتنا القديمة بمصطلحاتها كافية للتعبير عن ثقافة عصرنا، أم أننا نحتاج إلى لغة أكثر مرونة وحيوية؟ ويزداد الجدل حين يُطرح موضوع الهوية، حيث يخشى البعض أن يؤدي تطوير اللغة أو ابتكار مصطلحات جديدة إلى تشويه هويتنا العربية.
غير أن الهوية الحقيقية ليست في تجميد اللغة عند لحظة تاريخية معينة، بل في قدرتها على الاستمرار والتجدد.
فاللغة الحية هي التي تنمو مع أهلها، وتتغير بتغير حاجاتهم، دون أن تفقد جذورها أو روحها.
هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يجب علينا، بعد كل هذا الكلام، أن نحافظ على اللغة ثابتة كما وصلتنا، أم أن واجبنا ككتّاب وأدباء ومثقفين أن نطوّر لغتنا حتى تصبح أكثر قدرة على التعبير عن أفكارنا ومشاعرنا؟ وهل دورنا يقتصر على إحياء لغتنا القديمة وتوظيف مصطلحاتها، أم أن من حقنا بل من واجبنا ابتكار مصطلحات جديدة تناسب عامة الشعب وخاصتهم؟ ليس المطلوب هدم اللغة القديمة أو إقصاء تراثها، بل إحياؤه وتوظيفه بوعي، إلى جانب ابتكار مصطلحات جديدة تخاطب عامة الشعب وخاصتهم، وتعكس واقعهم اليومي وطموحاتهم المستقبلية.
لقد ولّد مقال سلامة موسى لديّ هذه الأسئلة جميعها، وجعلني أدرك أن النقاش حول اللغة ليس نقاشًا لغويًا صرفًا، بل هو نقاش حضاري بامتياز.
فإذا أردنا أمة قادرة على التفكير والإبداع والمنافسة، فعلينا أن نمتلك لغة قادرة على حمل هذا الوعي، لغة لا تخشى التطور، ولا ترى في التجديد تهديدًا، بل طريقًا للحياة.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل يجب أن تتطوّر العربية؟ بل: هل نملك الشجاعة الفكرية لنسمح لها بأن تتطوّر؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك