قد يبدو مشهد تشنج الأطفال مرعبا للأمهات، إلا أن ليس كل تشنج يعني إصابة بالصرع أو مرضا عصبيا مزمنا.
فقد يكون السبب في بعض الحالات ارتفاع درجة حرارة الجسم، فيما يُعرف بالتشنجات الحرارية، وهي نوبات يمكن السيطرة عليها عبر التعامل السليم مع الحرارة.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل التشنجات الحرارية خطرة؟ وكيف يمكن التفريق بينها وبين الصرع؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، “صحتنا” التقت استشارية طب الأطفال النمائي د.
رحاب المرزوق، وكان هذا اللقاء.
وأوضحت استشارية طب الأطفال النمائي د.
رحاب المرزوق، أن التشنجات الحرارية هي نوبات تشنج تصيب الأطفال نتيجة ارتفاع درجة حرارة الجسم، دون وجود مرض عصبي مزمن.
وتابعت أنها تصيب نحو 2 % - 5 % من الأطفال، وعادة ما تحدث بين عمر 6 أشهر و5 سنوات؛ لأن دماغ الطفل في هذه المرحلة مازال في طور النضج، فعتبة الاختلاج أو التشنجات تكون أقل، بمعنى أنها أسهل لحدوث تفريغ كهربائي زائد.
ومع كثرة التعرض للالتهابات الفيروسية والحمى في هذا العمر، يزداد حدوث التشنجات الحرارية.
أما بعد سن الخامسة، فترتفع العتبة عادة ويصبح الدماغ أكثر استقرارا كهربائيا.
وأشارت إلى أن السبب الرئيس لحدوثها هو الارتفاع السريع في درجة حرارة الجسم، وغالبا ما يكون ذلك بسبب عدوى بسيطة.
إذ تزداد قابلية خلايا الدماغ لإطلاق إشارات كهربائية بشكل زائد وغير منسق.
فالحرارة والمواد الالتهابية تغير توازن النواقل العصبية وتُخفِض عتبة الاختلاج لدى بعض الأطفال، فيحدث تفريغ كهربائي منتشر ومؤقت في الدماغ يؤدي إلى التشنج.
وهذا لا يعني وجود مرض صرع بحد ذاته، بل هو استجابة دماغ طفل حساس للحرارة.
وبينت أن للعامل الوراثي دورا في حدوثها، فوجود تاريخ عائلي للتشنجات الحرارية قد يزيد الاحتمال قليلا.
وقالت: في معظم الحالات لا تعني مرضا خطيرا، وغالبا ما تكون مرتبطة بالتهابات فيروسية شائعة، فتصيب فقط بعض الأطفال الذين لديهم قابلية خاصة لحدوث التشنجات.
ولفتت إلى أن نوبة التشنج الحراري تكون بتصلب أو ارتعاش في الجسم مع فقدان وعي مؤقت، وقد تنقلب العينان إلى الأعلى.
وتستمر غالبا أقل من خمس دقائق، ويعود الطفل إلى حالته الطبيعية في دقائق إلى ساعات بعد انتهاء النوبة.
وأكدت أنه في غالبية الحالات لا تؤدي إلى الإصابة بالصرع، وأن نسبة التحول إلى الصرع منخفضة جدا.
ولا يشعر الطفل بالألم أثناء التشنج، كما أن التشنجات الحرارية البسيطة لا تسبب تلفا في الدماغ، ولا تؤثر في الذكاء أو التعلم أو النمو الحركي، ومعظم الأطفال ينمون بشكل طبيعي تماما.
وأوضحت أن التشنجات الحرارية البسيطة تستمر أقل من 15 دقيقة وتحدث مرة واحدة خلال 24 ساعة، بينما التشنجات الحرارية المعقدة تستمر مدة أطول أو تتكرر خلال اليوم نفسه.
وأضافت أن التشنجات الحرارية البسيطة لا تسبب تلفا في الدماغ، بالرغم من شدتها الظاهرية؛ لأنها عادة قصيرة ومعممة ومؤقتة، ولا تستمر مدة كافية لإحداث أذية عصبية.
فالتفريغ الكهربائي يكون عابرا، ويعود الدماغ إلى وضعه الطبيعي بسرعة.
ويرتبط الضرر الدماغي أكثر بالنوبات الطويلة جدا والمستمرة، أو بوجود مرض دماغي أساسي، أو التهاب دماغ، أو نقص أكسجين، وليس بالتشنج الحراري البسيط النموذجي.
وشددت على ضرورة نقل الطفل إلى الطوارئ عند الإصابة بنوبات التشنج، خصوصا في أول نوبة، أو إذا استمرت أكثر من 5 دقائق.
وإذا كانت التشنجات مطولة أو متكررة في اليوم نفسه، أو غير نمطية (تشنجات حرارية معقدة)، أو صاحَبَها خمول شديد أو أعراض عصبية أخرى، فتحتاج إلى متابعة دقيقة.
وللتصرف الصحيح أثناء النوبة، نصحت بوضع الطفل على جانبه، وإبعاد أي أجسام قريبة أو أشياء خطرة، وحذرت من إدخال أي شيء في فم الطفل، كملعقة أو إصبع، حتى لا يعض لسانه؛ إذ إن ذلك قد يسبب خطر اختناق أو إصابة.
كما حذرت من محاولة تقييد حركات الطفل بقوة، أو إعطاء سوائل أو دواء عن طريق الفم أثناء التشنج، لما في ذلك من خطر الاختناق.
ونصحت بمراقبة الوقت، وطلب الإسعاف إذا طالت النوبة أكثر من 5 دقائق أو ظهرت علامات خطورة.
وتُعطى خافضات الحرارة بعد انتهاء النوبة لتحسين راحة الطفل وخفض درجة الحرارة؛ فهي لا تمنع حدوث التشنجات دائما، لكنها تساعد في تخفيف الحمى.
وقد تتكرر التشنجات لدى بعض الأطفال مع نوبات الحمى، وفي معظم الحالات لا يحتاج الطفل إلى علاج طويل الأمد.
كما حذرت من وضع الطفل في ماء بارد؛ لأن هذا الإجراء غير آمن ولا يُنصح به.
وبينت أن التعامل مع الحمى يهدف إلى راحة الطفل وليس “منع التشنج 100 %”، مع استخدام خافض حرارة مناسب بالجرعة الصحيحة حسب الوزن، وتجنب تكديس الأدوية دون تنظيم، والحرص على تناول سوائل كافية، وارتداء ملابس خفيفة، وتوفير بيئة معتدلة.
وقالت: “إذا كانت هناك علامات التهاب سحايا أو دماغ، وتيبس في الرقبة، وخمول شديد مستمر، وتدهور في الوعي، وطفح نزفي، فلا نعدها تشنجا حراريا بسيطا، ونقيم لاحتمال وجود سبب آخر”.
بين التغيرات الطبيعية والمقلقة بعد النوبة.
ولفتت إلى أن التغيرات الطبيعية المتوقعة بعد انتهاء النوبة تشمل نعاسا وتشوشا بسيطا (مرحلة ما بعد التشنج) لدقائق عدة إلى أقل من ساعة، إضافة إلى صداع أو تعب، وعودة تدريجية للوعي الطبيعي.
لكنها نبهت إلى أن المقلق يتمثل في عدم عودة الوعي الطبيعي في وقت معقول، مثل استمرار خمول شديد لساعات، أو ضعف طرف، أو شلل مؤقت طويل، أو علامات بؤرية واضحة ومستمرة، أو صعوبة تنفس وازرقاق مستمر، أو تيبس في الرقبة، أو قيء متكرر شديد، أو طفح نزفي، أو تدهور عام، مؤكدة أن تكرار النوبة أو استمرارها لأكثر من 5 دقائق دون توقف يستدعي الإسعاف.
وأكدت أن التشنج الحراري يختلف عن نوبة الصرع؛ فالتشنج الحراري يكون مع وجود حمى واضحة وقت النوبة أو قبلها مباشرة، وغالبا ما يكون معمما وقصيرا، ويحدث في العمر النموذجي (6 أشهر - 5 سنوات).
أما نوبة الصرع فقد تحدث دون حمى، أو تتكرر دون علاقة بالحمى، أو تكون مصحوبة بسوابق عصبية وتأخر في النمو ونوبات سابقة، أو علامات بؤرية متكررة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك