لم يكن ميثاق العمل الوطني حدثا سياسيا عابرا في تاريخ البحرين، بل لحظة إعادة تعريف هادئة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، لحظة تشكّلت عبر توافق مجتمعي واسع، وتصويت، وانتقال مؤسسي سلس، بعيدا عن الضجيج.
في تلك اللحظة، لم يكن السؤال المطروح: ماذا نريد اليوم؟ بقدر ما كان السؤال الأعمق: أية دولة نريد أن نبنيها على المدى الطويل، وبأي عقد أخلاقي يحكم هذا البناء؟ لم يأتِ ميثاق العمل الوطني ليؤسس شرعية جديدة بقدر ما أعاد تعريف منطق الشرعية ذاته، من شرعية تُستمد مرة واحدة، إلى شرعية تُصان وتُجدد عبر التوافق والمشاركة والالتزام المتبادل.
فالميثاق لم يكن تفويضا سياسيا مغلقا، بل إطار وطني مفتوح، يُعيد ضبط العلاقة بين الحاكم والمجتمع على أساس الثقة لا الاكتفاء بالنص، وعلى القبول الواعي لا الاكتفاء بالإجراء.
ومن هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع ميثاق العمل الوطني بوصفه حدثا انتهى، بل بوصفه إطارا تتجدّد دلالاته مع الزمن.
فالميثاق لم يُطرح كنص يُغلق النقاش، بل كمرجعية عامة تُختبر في الممارسة، وتبقى قابلة لإعادة التفعيل كلما تغيّرت الظروف.
والرهان الحقيقي لا يكون على النص وحده، بل على قدرة المجتمع والدولة معا على الحفاظ على معناه، وتحويله من توافق تاريخي إلى التزام عملي مستمر.
وفي هذا السياق، يصبح الاستقرار قيمة تُبنى ولا تُفترض، ومسارا يُدار لا حالة تُعلن.
فالدول التي تتعامل مع استقرارها بوصفه نتيجة نهائية، غالبا ما تُفاجأ بتحولات لم تستعد لها، بينما الدول التي تراه عملية مستمرة، تُحسن إدارة التغيير دون أن تفقد توازنها.
ومن هنا، يمكن قراءة ميثاق العمل الوطني بوصفه أحد الأطر التي أسهمت في ترسيخ هذا الفهم، لا عبر تثبيت الواقع، بل عبر توفير أرضية تسمح بتطويره ضمن حدود المسؤولية المشتركة.
وفي هذا الإطار، يُمكن النظر إلى ميثاق العمل الوطني بوصفه مرجعية تأسيسية ذات طبيعة جامعة، تستمد أهميتها من دورها كإطار ناظم لمسار الدولة، لا موضوعا للجدل أو التأويل المتقابل، بوصفه مرجعية لا تخص الدولة وحدها، بل الدولة والمجتمع بمختلف شرائحه، حيث تُصان من خلالها فكرة الدولة بوصفها كيانا مستقرا ومتطورا، والمجتمع بوصفه شريكا فاعلا وأساسيا في هذا المسار، في آنٍ واحد.
في المحصلة، لا يُقرأ ميثاق العمل الوطني بوصفه محطة تاريخية مكتملة، ولا باعتباره نصا يُستدعى عند الاختلاف، بل كمرجعية تأسيسية تتسق مع مسار الدولة في علاقتها بمجتمعها.
فالقيمة الحقيقية لا تكمن في كونه وثيقة بحد ذاتها، بل فيما أتاحه من إطار عام نظّم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الشراكة والمسؤولية المتبادلة، وحافظ على فكرة الدولة بوصفها كيانا قادرا على الاستمرار والتكيف في آنٍ واحد.
ومن هذا المنطلق، يبقى الميثاق جزءا من منطق الدولة ومجتمعها معا، ومسارا للبناء المشترك، تتجلّى فيه متانة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بوصفها علاقة قائمة على الشراكة والمسؤولية المجتمعية، ومسارا يتسع ويتعمّق مع الزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك