في عالمٍ يضج بالمادية الجافة، وتتسارع فيه وتيرة الحياة لتسحق تحت أقدامها أسمى المشاعر الإنسانية، يبرز “عشق الروح الحقيقي” ليس فقط كعاطفة، بل كفعل مقاومة واسترداد.
إنني أكتب اليوم بمداد الود، مستهدفاً إحياء ذلك الوجدان الذي استُلِب من المرأة طوال العام تحت وطأة المسؤوليات وضغوط “الوعي المعلب” الذي يحاول تدجين المشاعر وتحويلها إلى مجرد طقوس استهلاكية عابرة.
إن معركتنا من أجل “تأميم الوعي” تبدأ من “تأميم العاطفة” داخل الأسرة.
فالمرأة العربية عموما والخليجية خصوصا، والتي تمثل الركيزة الأساسية لقوانا الناعمة، تعرضت - على مدار السنوات الأخيرة - لنمط من “الاغتراب الوجداني القسري”، حيث فُرض عليها أن تعطي بلا ارتواء، وأن تبذل بلا تقديرٍ يوازي حجم تضحياتها.
لذا، فإننا اليوم وبمناسبة “عيد الحب” نعيد ترسيخ مفاهيم العشق الكوني للزوجة، والذي يشكل دوماً وأبداً “قضية وجود أبدية”؛ لأن البيت الذي لا يرتوي من نبع الحب الصافي هو بيت هش، عُرضة لـ “تآكل اليقين الذاتي”.
إن ما أدعو إليه اليوم وكل يوم هو “الحب غير المشروط”، القائم على التفاني الواعي من قبل الشريكين.
إنه حالة من “التماهي العضوي” التي تتجاوز الأنانيات الصغيرة، والذي يجعل الرجل يتيقن من أن تكريم وجدان زوجته ليس ترفاً، بل هو استثمار استراتيجي في أمن الأسرة النفسي وأمانها.
فالانسجام الحقيقي بين الزوجين هو “انسحاب تكتيكي” من فوضى العالم الخارجي إلى سكينة “الوطن الصغير”.
وعندما تشعر الزوجة بأنها “محتلة الوعي” بتقدير زوجها ومحبته، فإنها تمنح أقصى درجات العطاء، ليس من فرضية الواجب الثقيل، بل كفيضٍ من الروح والانصهار الوجداني “استوصوا بالنساء خيرا، فخيركم خيركم لأهله”، هكذا قال معلم البشرية محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
إن الغاية النهائية من هذا الميثاق الوجداني هي بناء “مجتمع متزن”.
فالعلاقة التي تخلو من “الابتزاز بالضعف” أو “الغموض العقابي” أو العطاء بالمقابل، وتستبدلهم بالوضوح والشفافية العاطفية، هي المعمل الحقيقي لإنتاج ذرية صالحة سعيدة.
فالأبناء الذين يتربون في كنف “عشق الروح الحقيقي” هم جنود المستقبل المشبعون بالثقة، الخالون من الأمراض النفسية التي يورثها الجفاف العاطفي وندرة الأمان الوجودي.
إنها رسالة أوجهها للقّوام الذي وهب السلطة للرعاية لا للسيطرة يا رفيق الدرب، إن استرداد وجدان شريكتك هو إعلان استقلال عاطفي لأسرتك من تبعات “الاستلاب الكلي” الذي يفرضه العصر.
فلنجعل من مودة القلوب دستوراً، ومن التفاني منهجاً، لنرسم لوحة مجتمع مفعم بالحب والنشاط، مجتمع يدرك أن قوة الدولة تبدأ من قوة الروابط التي تجمع بين قلبين تعاهدا على الوفاء والمحبة الصادقة بميثاق غليظ من الباري جل في علاه.
والخلاصة أن الحب هو أسمى درجات السيادة، سيادة الروح التي لا تنهزم، والود الذي لا ينقطع.
باحث في شؤون الإعلام والوعي الاستراتيجي وعلم النفس السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك