في السادس من ديسمبر 2023، توقفت عقارب الساعة بمنزل أبو إسماعيل حماد الكائن شمال غزة، إذ قصف الاحتلال الإسرائيلي الغاشم منزله، بقنبلة وزنها 2000 رتل، استهدفت أسرته كاملة بغرض التهجير والابادة، لتلفظ زوجته أنفاسها الأخيرة وجنينها في أحشائها، فيما قتلت القنبلة العملاقة كذلك أبنائه الخمس، وتحول المنزل في وقتها لرماد، ولم ينجوا سواه، ينازع أكثر من 20 إصابة بأماكن متفرقة في جسده.
مرت الشهور الأعوام، أصوات الرصاص لا تتوقف وقلب أبو إسماعيل لا يهدأ، وجثامين زوجته وأطفاله تحت الركام، قبل أن يقف اليوم على قدميه، بعد مرور أكثر من عامين على الواقعة، بحسب حديثه لـ«الوطن»: «أنا شغال موظف بالحكومة في غزة، كنا أسرة مترابطة، عندي زوجة و5 أبناء، وكانت زوجتي حامل في الطفل السادس وعلى وشك الولادة، فجأة البيت اتقصف بهدف اننا نمشي ويتخلصوا مننا، لكن احنا فلسطينيين أما نكون أو لا نكون، موافقناش على التهجير، قتلونا».
لم يستوعب أبو إسماعيل، الذي شاب رأسه من هول المصيبة ما حدث: «استشهدت الزوجة وهي حامل في بنتي، كانت في شهرها التاسع ومفيش مستشفيات كنت ناوي أولدها بأيدي، لكن قدر ربنا كان أقرب».
في لحظة احترقت الزوجة والأبناء جميعا، وظل الأب عاجز: «كان عندي 3 ولاد وبنتين وجنين في بطن زوجتي، كلهم اتحرقوا قدام عيني، وأنا عاجز من الإصابة، فضلوا تحت التراب قرابة الثلاث سنوات حتى اليوم».
إصابات بالغة لحقت بجسده، خاصة في منطقة الحوض والظهر وتهمشت قدميه، حاول الخروج والتعافي، على أمل البحث عن جثامين أسرته التي توصل لرفاتهم في النهاية: «فضلت السنين دي كلها وأنا مصاب ومتكسر، مينفعش اطلع من مكاني لأنهم هيعتقلوني، ووقتها مش هقدر ادفنهم، كنت عاوز أقف على رجلي علشان اعرف أدور عليهم وادفنهم مفقدتش الأمل».
شاكوش وغربال لاستخراج بقايا الجثث.
مرت السنين والرجل يفكر في استخراج ما تبقى من جثامين أسرته لدفنها بشكل لائق، فكان أول ما فعله بعد تعافيه هو النبش في تراب منزله المقصوف باحثا عن بقايا من رحلوا عنه، ليصل إلى أجزاء من عظامهم ورفاتهم: «حاولت اطلع جثامينهم لما بدأت أقوم، جبت شاكوش واستخدمت الغربال بدأت اطلع البقايا منهم، طلعلي فقرات من الظهر، وأسنان وعظام متكسرة، بقيت ألم البقايا من التراب، وجمعتهم في ملاية بيضاء تشبه الكفن».
فقدان الزوجة والأبناء لم يكن سوى جزء في سلسلة أحزان أبو اسماعيل، فقد محى الاحتلال أسرة شقيقه من السجل تماما، لينتشل بقاياهم في نهاية 2024، قبل أن يتكرر معه الموقف مجددا وينتتشل بقايا رفات زوجته وأبنائه فيما بعد.
في قماشة بيضاء، وضع رفات زوجته وأبنائه، من بقايا عظامهم وأسنانهم، ليضعهم بجانبه متعايشا مع ما تبقى منهم: «القبور غالية جدا.
شيلت العظام والرفات في ملاية وعايش معاهم، أنا جنبهم بقرا عليهم الفاتحة كل يوم».
أمنية وحيدة يتمناها أبو إسماعيل حماد، وهي العلاج: «نفسي اتعالج، لسة مصاب ومبقاش فيه مستشفيات، راضي بقضاء الله وقدره وهقابلهم بإذن الله بالجنة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك