الدكتور محمد حسين سمير – أستاذ الإدارة بجامعة لندن.
لم يعد التفاوض في الإدارة الحديثة مجرد تبادل عروض أو مهارة إقناع، بل أصبح علمًا استراتيجيًا لإدارة القوة والعلاقات معًا.
ومن أهم مفاهيم هذا العلم مفهوم BATNA أو (Best Alternative To a Negotiated Agreement) أي: أفضل بديل في حال عدم الوصول إلى اتفاق.
تكمن قوة BATNA في كونها ميزان القوة غير المرئي.
فالمفاوض القوي ليس من يلوّح بالتهديد، بل من يعرف بدقة ما يملكه خارج طاولة التفاوض.
وكلما كانت BATNA واضحة ومُعدة مسبقًا، زادت قدرة المفاوض على اتخاذ قرارات هادئة ومتزنة، بعيدًا عن الضغط أو التنازل غير المحسوب.
تحليل الموقف التفاوضي يبدأ بسؤالين حاسمين:
ما أفضل خيار لدي إذا فشل التفاوض؟ وما البديل المرجح لدى الطرف الآخر؟الإجابة الصادقة عن هذين السؤالين تكشف حدود التنازل، ونقطة الانسحاب الآمن، ومستوى المرونة الحقيقي لكل طرف، فيتحول التفاوض من ردود أفعال إلى إدارة واعية للمشهد بأكمله.
داخل المؤسسة الواحدة، تصبح BATNA أكثر حساسية، حيث يكون التفاوض بين إدارات أو قادة داخل الكيان نفسه.
هنا لا يكون البديل انسحابًا، بل إعادة تموضع ذكي، أو بناء تحالفات داخلية، أو انتظار توقيت استراتيجي مناسب، مع الحفاظ على وحدة المؤسسة وتماسكها.
وفي الشراكات الاستراتيجية، لا تُستخدم BATNA للضغط، بل لضمان الاستدامة؛ فأنجح الشراكات هي التي تجعل الاتفاق أكثر إغراءً من أي بديل.
ويمكن القول إن المفاوض المحترف لا يبحث عن كسر الطرف الآخر، بل عن بناء اتفاق لا يضطر أي طرف فيه إلى استخدام الـBATNA.
فالتفاوض الناضج هو الذي يجعل البدائل قائمة، لكنها غير مرغوبة”.
وختامًا، BATNA ليست أداة تهديد، بل أداة وعي قيادي.
إنها تمنح القائد شجاعة القرار، وهدوء الموقف، وقدرة نادرة على الجمع بين الحسم والحفاظ على العلاقات، وهي جوهر التفاوض الذكي في عالم معقّد ومتغير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك