" أغالب مجرى النهر" رواية الجزائري سعيد خطيبي الصادرة عن دار نوفل.
أشدد على" الجزائري"، فالرواية صورة من قريب لـ الجزائر التي شغلتنا حرب تحريرها" بلغة الرواية" من الاستعمار الفرنسي.
هذا الواقع القريب للحرب وعواقبها المستمرة هو ما يدمغ" أغالب مجرى النهر" بروائية متمكنة.
" عقيلة" طبيبة العيون زوجة" مخلوف الطبيب".
طبيبان، لكن ما بينهما في البيت لا يستوي مع ذلك، بينهما علاقة ليس أقلها إهانة الرجل لامرأته وضربها.
أمر يدري به أهلها فلا يستهجنونه، ولا ينصحونها بالطلاق.
لن نفاجأ إذا رأيناهما، الطبيبة وزوجها، يؤمنان بالشعوذة.
هذا هو الظاهر، وما يقابله دعارة مباحة تستغرق فيها الأغلبية، ويصدر عنها أولاد غير شرعيين، يتخلى عنهم آباؤهم ويتربون في بيوت أخرى.
لا نشعر أن الوجهين يتعاكسان، قدرة الرواية هي في تواصل الوجهين وتكاملهما، إذ إن التقليد العائلي والعشائري لا يمنع الدعارة، ولا يستبعدها.
هذه تنمو تحت العلاقات البدوية، بل وتصدر عنها، وتشكل امتداداً واستمراراً لها.
تلك الانتهاكات تكاد في مجموعها تستولي على المجتمع كله، تنمو وتتأسس داخل العلاقات ذاتها التي تنقلب على نفسها، وتصنع أضدادها على شاكلتها، وكذلك تحتياتها وقيعانها، لن تكون الدعارة لذلك إلا الإرث نفسه والبنية ذاتها.
إذا عدنا إلى حرب التحرير التي شارك فيها الآباء لن نبتعد كثيراً.
هذه المرة، الحروب البدوية ذاتها تستعاد بصور ثانية.
نحن هكذا أمام فصائل ما أن تبدأ حتى تتعارك.
أبو الطبيبة نزح مع عائلته من القرية بعد أن داهمها الجفاف، ستكون له بعد ذلك حكايته التي ينتقل فيها من شغل إلى آخر، ثم تكون حرب التحرير" بلغة الرواية"، فينضم لها، ويلتقي فيها ببودو الذي يصادقه.
جبهة التحرير لن تكون فقط فرقاً شتى، لكنها ستكون أشخاصاً يحيط بعضهم البعض بحزازات ونمائم وخصومات مستشرية.
مقاربة وثائقية للتاريخ تُجرّب عرض الحقيقة بخلاف الشائع.
سيفاجئنا، نحن الذين راقبنا حرب التحرير من بعيد، أن نعلم الكم الهائل من المناضلين والمحاربين الذين يُشتبه بعلاقات لهم مع الاستعمار الفرنسي.
يُشتبه، ليس من حذر القيادات وقوة النظام ومزيد الانتباه، لكن من علاقات بلدية لا قواعد فيها ولا معايير، إلا الخوف من الآخر والعدوانية تجاهه.
هكذا يسقط الأب وصديقه في الشبهة، فيُتَّهم الاثنان، من دون عذر أو دليل، بأنهما عملاء للفرنسيين، شأنهما في ذلك شأن المئات الذين طالتهم هذه التهم عشوائياً.
هكذا يجد المرء نفسه، لأقل بادرة، متهماً، وفي ما بعد معتقلاً أو مغتالاً.
هكذا كان أمر الأب، لكن له قصة أخرى، فهو بعد أن تزوج، وبالطريقة البلدية ذاتها، يتردد على دار دعارة تديرها ياقوت التي أحبها وأحبته، تحمل منه، لكنها، بإرادته، تسلم الابن إلى عائلة تعاني العقر.
هكذا يغدو لعزوز، من دون أن يعترف، ابن في حضانة غيره.
الابن غير الشرعي هو كذلك، بقوة التقاليد التي تمنع قوّادة ورجلاً من أن يعترفا بابنهما.
هكذا تتواصل الدعارة والمحافظة وتتكاملان.
كان من شأن عزوز، بعد أن لحقته شبهة الحركي، أن يُوقَف ويُكوى ظهره.
تلك الكية سيحملها معه، وستكون علامة حركيته وعمالته، وسيخفيها ويبقى قلقاً من انكشافها.
إذا عدنا إلى الطبيب والطبيبة، الزوج يختط لزوجته، طبيبة العيون، أن يأتي إليها، بحكم عمله، بجثث تُنتزع قرنيتها، ليتم من جديد إدغامها" قرنية" في عين حي يحتاج إليها لبصره.
هذا بالطبع غير قانوني، لكن الدين، حسب فهم الطبيبة، يجيزه.
الطبيبان يسرقان أعين الموتى من دون أن يبدو ذلك لهما مروقاً.
الطب هكذا يندرج في الانتهاك العام، لكن الحدث المفاجئ هو موت الطبيب بحادث سيارة، لا يلبث أن يظهر أنه انحرف بها لأنه كان متسمماً عند ذلك، ما جعله يخرج عن طوره ويرمي بها" السيارة".
من سممه؟ هذا هو السؤال الذي تتحول معه الرواية إلى بوليسية.
عقيلة، الطبيبة الزوجة، متهمة، لكن أباها وأخاها أيضاً متهمان، على الأقل بمساعدتها.
نحن في الوقت ذاته أمام جريمة، أمام قلق الأب من انكشاف كيّته وسعيه لتدارك الأمر مع صديقه القديم بودو، الذي صار نافذاً.
لكننا، أثناء ذلك، نكتشف أن أخ الطبيبة، مثله مثل أبيه، له ابنة غير شرعية.
كما نكتشف أن مخلوف الطبيب الزوج كانت له، هو الآخر، علاقات خارج المنزل، بل علاقة مع ابنة أخ الزوجة غير الشرعية، التي انتهى بها الأمر، هي الأخرى، في دار الدعارة.
نحن هكذا ننطلق، من دون أن نستغرب أو نتساءل، من حكاية مغرقة في واقعيتها إلى رواية بوليسية، إلى لعبة خيالية عامرة بالمفاجآت والمغامرة.
ننتقل بين هذه الأنواع من دون أن نحس باختلافها.
كان السرد من القوة بحيث استرسل وتتتابع من دون فجوات، ومن دون لا توازن أو تفاوت كبير.
ثم إن ما يظهر من خلف ذلك كله، وما يبدو له واقع حقيقي، بل يبدو هو الأصل، هو ما يفيض عن الرواية، وما يبدو عمقها وصلبها ولحمتها العضوية، هو" الجزائر" التي تخترقها الرواية وتعرضها من الداخل.
نحن منذ البداية نرى واقعاً يُورث ويتوالد ويتجدد، بالروح نفسها والكنه ذاته.
الأمور تتغير، لكن ليس معناها ولا عبرتها، فهي هنا تتداعى وتتطاير وتهبط وتصعد وتتغرب، لكن مع بقاء الخيط والنسيج والحركة والمعنى.
بل إن حقيقة الأشياء، مثلها في ذلك مثل اللعنة التي تحيق بالمئات، وربما الآلاف، لعنة شبهة الحركي، فيها ما يعري التاريخ الذي نعرفه ويضعه بخلاف مجراه الشائع ووقائعه المعروفة، بحيث إن رواية خطيبي تبدو ذات قيمة وثائقية، فهناك بعد أصيل في الرواية هو البعد التاريخي.
الرواية، رغم ما فيها من خيال ومغامرة، هي، وهذه دعامتها، افتضاح عميق للتاريخ وتقديم لحقيقته الأصلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك