وكالة سبوتنيك - روسيا تبدأ تطوير نظام اختبار "ساركوبينيا" العربية نت - "السعودي الألماني الصحية" تستهدف تحويل مستشفياتها إلى "تعليمية" العربية نت - تشغيل سيارات الأجرة ذاتية القيادة من "وايمو" في 4 مدن أميركية جديدة روسيا اليوم - مصرع عدد من المصريين واختفاء آخرين جراء غرق مركب في البحر الشرق للأخبار - الشرطة الإيطالية تمنع مشجعي دورتموند من حضور مباراة أتالانتا روسيا اليوم - وزارة الدفاع العراقية تنعى 8 من مقاتليها إثر حادث العربي الجديد - أوامر لجنود إسرائيليين عدم طلب البيتزا خشية كشف هجوم محتمل ضد إيران العربية نت - خسائر قوية بأكثر من 3% لمؤشر البورصة المصرية "EGX 30" سكاي نيوز عربية - قرار "عاجل" من برشلونة بشأن حمزة عبد الكريم فرانس 24 - ميرتس يدعو إلى علاقة أكثر "إنصافا" مع الصين وشي يأمل بارتقائها إلى "مستويات جديدة"
عامة

جيل الحرب: مآلات الوعي ومستقبل البلاد

سودانايل الإلكترونية

تبدو في الأفق مؤشرات تفاؤلية بأن تضع الحرب أوزارها قريبًا، شئنا أم أبينا؛ سواء ببسط القوات المسلحة سيطرتها على كامل التراب الوطني، أو عبر حلول تفاوضية تُفضي إلى السلم. لكن، وقبل هذا وذاك، يقفز إلى الذ...

ملخص مرصد
تثير الحرب في السودان مخاوف عميقة بشأن تأثيراتها طويلة المدى على وعي الأطفال وتشكيلهم النفسي والمعرفي. يحذر خبراء من أن التعرض للعنف والخوف والنزوح قد ينتج جيلاً متكيفاً مع العنف، مما يشكل خطراً وجودياً على مستقبل البلاد. تتطلب المعالجة جهوداً وطنية متكاملة لإعادة بناء الوعي الجمعي.
  • تترك الحرب آثاراً نفسية خطيرة على الأطفال مثل اضطراب ما بعد الصدمة وتفكك الروابط الأسرية
  • قد يؤدي التعرض للعنف إلى تطبيعه كسلوك مقبول اجتماعياً وتشويه المفاهيم الأخلاقية
  • تتطلب المعالجة استقراراً ودعماً نفسياً واجتماعياً وإعادة بناء البيئة التربوية
من: أطفال السودان أين: السودان متى: خلال الحرب الدائرة وبعدها

تبدو في الأفق مؤشرات تفاؤلية بأن تضع الحرب أوزارها قريبًا، شئنا أم أبينا؛ سواء ببسط القوات المسلحة سيطرتها على كامل التراب الوطني، أو عبر حلول تفاوضية تُفضي إلى السلم.

لكن، وقبل هذا وذاك، يقفز إلى الذهن سؤال أكثر عمقًا وخطورة: ما مآلات الوعي لدى أطفالنا؟ وإلى أي مدى تأثروا بالعنف المصاحب للحرب؟من البديهيات التي لا يختلف عليها اثنان أن الحروب لا تعيد تشكيل الجغرافيا فحسب، بل تمتد آثارها لإعادة تشكيل الإنسان نفسه.

وإذا كانت الخسائر المادية تُقاس بالأرقام، فإن الخسائر الأعمق – تلك التي تصيب الوعي – غالبًا ما تبقى غير مرئية، رغم أن أثرها أشد عمقًا وأطول زمنًا.

ويزداد الأمر خطورة حين يتعلق بأطفال تشكّل وعيهم تحت هدير الرصاص والدانات والمسيرات، وبين مشاهد الجثث والخوف والرعب؛ حيث تئن النفوس الصغيرة تحت وطأة الهلع، بما ينذر بخطر جسيم على مستقبلهم ومستقبل البلاد.

تترك الحرب آثارًا خطيرة على الأطفال، وتمثل هزيمة قاسية للتشكّل النفسي والمعرفي والوجداني لديهم.

وفي الحالة السودانية، يمكن رصد أبرز التداعيات في:

_ اضطراب ما بعد الصدمة: كوابيس، قلق دائم، فزع، صعوبة في النوم، خوف مزمن، فقدان الإحساس بالأمان، قلق واكتئاب، شعور مستمر بعدم الاستقرار، وتبلّد المشاعر أو فقدان القدرة على التعبير العاطفي.

_ اضطرابات النمو المعرفي والتعليمي: تراجع المهارات الإدراكية، صعوبات التعلم، وانقطاع المسار التعليمي.

_ تفكك الروابط الأسرية: نتيجة النزوح أو التشرد أو فقدان أحد أفراد الأسرة.

_ ارتفاع احتمالات عمالة الأطفال والتجنيد القسري أو الاستغلال المسلح في بعض البيئات.

_ تطبيع العنف كسلوك مقبول اجتماعيًا.

_ تفاقم سوء التغذية، ونقص الرعاية الصحية، وانتشار الأمراض بسبب انهيار الخدمات.

__ اختلال مفاهيم الخير والشر والمعايير الأخلاقية.

يجزم الفلاسفة والمفكرون بأن الحرب تُحدث أثرًا عميقًا في تنشئة الأطفال.

يرى لودفيغ فتغنشتاين أن «حدود اللغة هي حدود العالم».

فإذا تعلّم الطفل مفرداته الأولى في بيئة مشبعة بالعنف، فإن العالم الذي يتشكّل في إدراكه يصبح مختلفًا جذريًا.

حين تصبح مفردات القتل والانتقام والعداء والنجاة جزءًا من القاموس اليومي، فإن الطفل لا يتلقى لغةً محايدة، بل إطارًا إدراكيًا يرى من خلاله العالم.

وهنا يتحول العنف من حدث استثنائي إلى حالة طبيعية.

ومن منظور الفلسفة الوجودية، فإن الطفل – بخلاف الراشد – لا يمتلك أدوات نقد الواقع أو مقاومته نفسيًا؛ فالحرب بالنسبة له ليست «ظرفًا مؤقتًا»، بل الوضع الطبيعي للوجود.

وهنا تكمن الخطورة، إذ يصبح الخوف حالة دائمة تُهدد التوازن النفسي.

وتشير حنّة آرندت إلى أن أخطر ما في العنف ليس أثره المادي، بل قدرته على تآكل المجال الإنساني المشترك.

فالطفل الذي يشهد القتل أو النزوح أو الفقدان يتولد لديه إحساس متضخم بالتهديد، واستعداد للعداء، وقابلية لإعادة إنتاج العنف.

أما جان بياجيه، فيرى أن النمو الأخلاقي يعتمد على الاستقرار والتفاعل الاجتماعي، وهما شرطان تُقوِّضهما الحرب، فتنتج وعيًا أخلاقيًا ملتبسًا.

فالقتل قد يُقدَّم كبطولة، والقسوة تُبرَّر كضرورة، والانتقام يُعاد تعريفه كعدالة.

الحرب إذن ليست مجرد حدث سياسي؛ إنها آلية مدمرة للتربية، تُعلِّم الأطفال كيف يخافون، وكيف يُشيطنون الآخر، وكيف تصبح النجاة أهم من القيم.

وحين تستمر طويلًا، فإنها لا تترك أطفالًا متضررين فحسب، بل جيلًا متكيفًا مع العنف، بما يشكّل خطرًا سلوكيًا وجوديًا على المجتمع.

غالبًا ما يواجه جيل الحرب أحد مسارين متناقضين:

حيث يصبح العنف مألوفًا، ويضعف الإحساس بالتعاطف، وتُعاد صياغة العلاقات الاجتماعية بمنطق القوة والريبة.

حيث يسود القلق، واضطرابات الهوية، وفقدان الثقة بالمؤسسات والمجتمع.

وفي الحالتين، نواجه تحديًا وجوديًا:

كيف يُبنى السلام في وعيٍ تشكّل في الحرب؟السلام ليس وقف إطلاق نار فقط، بل عملية ترميم عميقة للوعي الجمعي.

فالمأساة الحقيقية ليست فقط في جيلٍ عاش الحرب، بل في جيلٍ قد يتعلم أن الحرب هي الحالة الطبيعية للحياة.

معالجة آثار الحرب لا تعني محو الصدمة – فهذا مستحيل – بل احتواءها ومنع تحولها إلى نمط دائم في الوعي والسلوك.

ويمكن تناول المعالجة عبر مستويات متكاملة:

_ الاستقرار كشرط أساسي: لا يمكن علاج طفل يعيش داخل بيئة صادمة دون توفير مساحات آمنة، وإعادة الإحساس بالروتين الطبيعي للحياة.

_ الدعم النفسي والاجتماعي:

الحرب تصيب الجهاز العصبي قبل أي شيء، ما يستوجب إطلاق برامج دعم نفسي مجتمعي وتدريب المعلمين والمرشدين.

_ إعادة بناء البيئة التربوية: المدرسة ليست مكان تعليم فقط، بل جهاز استقرار نفسي؛ لذا فإن إعادة فتح المدارس أولوية وطنية.

_ دعم الأسرة وترميمها:

فالطفل لا يتعافى في بيئة أسرية منهكة اقتصاديًا أو نفسيًا.

_ تجفيف خطاب الكراهية: عبر الإعلام ومنصات التواصل، وإنتاج خطاب إنساني بديل يعزز الأمل والتعايش.

_ الاعتراف والعدالة:

فالاعتراف الرسمي بالضحايا والصدمات أقصر طرق التعافي.

المعالجة ليست تدخلاً طارئًا، بل مشروعًا وطنيًا مستدامًا.

إن أطفالنا ليسوا مجرد ضحايا للحرب؛ إنهم مستقبل البلاد الذي يُعاد تشكيله الآن.

الحرب لا تُنتج دمارًا آنيًا فقط، بل تُنتج مستقبلًا مُضطربًا.

ولعل أخطر ما تفعله بالأطفال ليس فقط ما تسلبه منهم، بل ما تزرعه في وعيهم:

إن معالجة آثار الحرب على الأطفال ليست عملاً إنسانيًا فحسب، بل مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء المجتمع.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك