المجلس التشريعي المرتقب؛ يُقدَّم كخطوة إجرائية في سياق حرب واضطراب، غير أن ما يتحرك في عمقه أبعد من ترتيب مؤسسي.
ثمة محاولة لإعادة ضبط الزمن السياسي نفسه، كأن السنوات التي انفتحت فيها البلاد على احتمال الدولة المدنية كانت استثناءً طارئاً في مسار تقرره المؤسسة العسكرية وحدها.
هكذا تُعاد كتابة الحكاية: ديسمبر صفحة عاطفية طُويت، والدولة تستأنف “طبيعتها”.
ذلك الجيل الذي خرج إلى الشوارع وهو يراهن على العدالة والكرامة لم يكن يبحث عن لحظة انفعال، بل عن تأسيس معنى جديد للسلطة.
الاعتصام أمام القيادة العامة لم يكن تجمعاً احتجاجياً فحسب؛ كان تمريناً جماعياً على تخيل وطن يُدار بالشراكة.
في ميدان القيادة تشكلت لغة مختلفة للسياسة، لغة لا تنطلق من الثكنة، بل من الناس.
اليوم، تتحرك هندسة تخريبية لاستكمال الانقلاب.
تحالفات تُصاغ على عجل، إسلاميون يعيدون تموضعهم بعد سقوطهم تحت ضغط الشارع، حركات مسلحة تقترب من المركز بحثاً عن حصة في الترتيب الجديد.
الحرب تمنح هذا المسار غطاءً ثقيلاً، وتحوّل الأولويات، وتدفع المجتمع إلى الانشغال بالبقاء اليومي.
في ظل هذا الضجيج، يُعاد تشكيل المشهد بهدوء بارد، كأن الثورة تفصيل يمكن تجاوزه في مسوّدة السلطة المقبلة.
المجلس المزمع ولادته في ظل موازين القوة الراهنة، يحمل إشارة واضحة إلى اتجاه الريح: القرار يصعد إلى أعلى، والتغيير يُعاد تعريفه داخل حدود مرسومة سلفاً.
القوى التي صنعت ديسمبر تجد نفسها خارج قاعة التوزيع، أو مدعوة بصفة رمزية لا تغيّر من معادلة القوة شيئاً.
بذلك يتكرس واقع يتقدّم فيه منطق الغلبة على منطق الشراكة، ويتحوّل الصراع من سؤال انتقال ديمقراطي إلى سباق على تثبيت مواقع.
غير أن السياسة في السودان لم تعد كما كانت قبل 2018.
الذاكرة التي تشكلت بالدم والانتظار لا تتبدّد بمرسوم.
الشرعية هنا ليست إجراءً يُستكمل، إنها علاقة ثقة تتكون ببطء، وتنهار سريعاً حين يُستبعد المجتمع من تقرير مصيره.
كل هندسة تتجاهل هذا الأساس تبني فوق أرض قابلة للاهتزاز.
هُم يراهنون على تعب الشارع في لحظة الإنهاك العام، لكنه رهان قصير النظر.
فالشعوب قد تصمت حين تُثقلها الحرب، غير أن الصمت ذاته يمكن أن يكون طوراً من أطوار إعادة التموضع.
ما جرى في ديسمبر غيّر وعي الناس بذواتهم السياسية؛ صار السؤال عن السلطة جزءاً من الحياة اليومية، ولم يعد امتيازاً حصرياً للنخب أو لحَمَلة السلاح.
على هذا الأساس تتضح طبيعة المواجهة: ليست صراعاً على مقاعد بقدر ما هي معركة على الذاكرة والمعنى.
إما أن تُدمج مطالب الثورة في صيغة حكم تعترف بأصحابها، أو يُفرض واقع يتجاوزهم ويطلب منهم التكيف معه.
بين هذين المسارين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
بهذا المعنى، يشكّل المجلس المرتقب اختباراً لما إذا كانت ديسمبر ستظل قوة حاضرة في معادلة السياسة، أم تتحول إلى ذكرى مُحاطة بإجلال رمزي منزوع التأثير.
يقف جميع السودانيين الآن أمام اللحظة الدقيقة.
التاريخ لا يُمحى بسهولة، لكنه قد يُزاح جانباً إذا تُرك بلا حراسة.
وفي الفراغ الذي ينشأ بين الثورة والسلطة، تتكون بذور الدورة التالية من الصراع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك