الموقف الحقيقي لنعوم شومسكي من الإمبريالية والصهيونية: اليسار الاستعماري والمعارضة من داخل البنية.
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم.
الموقف الصدمة: “قضية إبستين”: شكّل موقف فيلسوف اللغة الأمريكي اليهودي نعوم شومسكي من رجل الأعمال الأمريكي اليهودي جيفري إبستين، المدان في قضايا اتجار جنسي واستغلال قاصرات، والذي أُعلن انتحاره في السجن عام 2019، والمتمثل في دفاعه عنه حتى بعد إدانته أوليًا في وقت سابق، وظهور اسمه لاحقًا في تسريبات ملفاته أواخر يناير من هذا العام (2026)، صدمةً لقطاع كبير من المثقفين الذين كانوا يرون فيه نموذجًا للموقف الأمريكي اليهودي المتجاوز لانتمائه القومي والطائفي الضيق، والمناهض للسياسات الاستعمارية الإمبريالية والصهيونية.
جذور الصدمة والموقف العاطفي: “القبول المطلق”: ترجع جذور هذه الصدمة إلى موقف عاطفي ذاتي من مجمل أفكار ومواقف شومسكي، مضمونه القبول المطلق، الذي يصوّره معارضًا للإمبريالية والصهيونية من خارج بنيتها الاستعمارية؛ أي معارضًا جذريًا لهذه البنية، شأن مثقفين يهود آخرين رفضوا الخلط بين اليهودية والصهيونية.
نحو موقف عقلاني موضوعي: (الموقف النقدي التقويمي): إن الكشف عن موقفه الحقيقي يتحقق من خلال اتخاذ موقف عقلاني موضوعي من أفكاره ومواقفه.
أولًا: موقفه الحقيقي من الصهيونية.
(المعارضة من داخل البنية الصهيونية ” معارضة جزئية”) بالرجوع إلى مجمل أفكاره ومواقفه من الصهيونية، يتضح بجلاء أنه يتخذ موقف المعارضة من داخل البنية الاستعمارية الصهيونية؛ فهو يتبنى معارضة جزئية “ترقيعية”، وليس معارضة كلية “جذرية” من خارجها، كما هو حال مفكرين يهود آخرين.
دفاعه المبكر عن الكيان الصهيوني: دافع نعوم شومسكي عن الكيان الصهيوني فترة طويلة من حياته، ولم يبدأ في معارضة بعض سياساته إلا في مرحلة متأخرة.
فهو يقرّ بأنه لم يبدأ بانتقاد سياسات إسرائيل الإجرامية إلا عام 1969، ويقول نصًا: ”كان يجب أن أبدأ قبل ذلك بكثير… كنت مهادنًا أكثر من اللازم في نقدي وتأخرت كثيرًا.
”.
حلول تُساوي بين الجلاد والضحية: لا يتبنى شومسكي حلًا يتضمن الإقرار بالخلل البنيوي للكيان الصهيوني، بوصفه كيانًا سياسيًا غير طبيعي ومغتصبًا لأرض شعب آخر، وبالتالي لا يقرّ – ولو نظريًا – بحقوق هذا الشعب في أرضه، بل يتبنى – على المدى القصير – موقفًا يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، ممثلًا فيما يُسمى بـ”حل الدولتين”، الذي استخدمه الغرب لتخدير العالم واستكمال اغتصاب أرض فلسطين، والذي تنكّر له الكيان الصهيوني ذاته.
بل يرى أن الحل على المدى الطويل هو دولة ديمقراطية علمانية؛ أي دولة يهودية يذوب فيها الفلسطينيون.
فعند سؤاله: “ما هو الحل الأفضل في نظرك للصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟ ” أجاب:
“على المدى القصير تسوية الدولتين على الحدود الدولية (الخط الأخضر)… وربما على المدى الطويل دولة ثنائية القومية، ثم بعدها دولة ديمقراطية علمانية”.
رفض إدانة الاستيطان الصهيوني وتبريره:
ويرى ضرورة فصل تاريخ الاحتلال والتوسع الاستعماري الإسرائيلي عن جميع التواريخ الاستعمارية الأخرى بوصفه حالة خاصة، وإيلاء اعتبار خاص للمستوطنين الاستعماريين الاسرائيلين باعتبارهم مجموعة ضعيفة تاريخيًا.
رفض الدعوة إلى إنهاء الاستعمار الصهيوني.
يرى أن الدعوة إلى إنهاء النظام الاستعماري أمر غير واقعي، وأنه سيؤذي “المستعمَر” بفتح الميم الفلسطينيين فقط.
اختزال الصهيونية في مشكلة سلطة: يرى أن جوهر المشكلة يتمثل في سيطرة اليمين الإسرائيلي، العلماني والديني، على السلطة، لا في طبيعة الدولة ذاتها.
ثانيًا: موقفه الحقيقي من الإمبريالية.
استخدامه منابر إمبريالية: عمل نعوم شومسكي لعقود في معهد أكاديمي يُعد أحد أعمدة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.
تبرير الاحتلال الأمريكي لسوريا: يقول: “إنه لأمر معقول أن تحتفظ الولايات المتحدة بوجود لها في سوريا لردع الهجوم على المناطق الكردية.
”.
إنكار الدور الأمريكي في نشأة داعش.
فعندما سُئل: “هل داعش وحش أمريكي الصنع؟ ” أجاب: ”ليست هناك أهلية تُستحق لنظريات المؤامرة في المنطقة.
”.
إنكار التورط الأمريكي في فنزويلا: حين سُئل: “هل إدارة الرئيس ترامب تعمل على التحريض لانقلاب ضد رئيس فنزويلا؟ ” أجاب: ”إنها قد تدعم انقلابًا، لكنها لا تحرّض عليه.
”ثم كرر مبررات التدخل الأمريكي بقوله”ينبغي الإشارة إلى أن فنزويلا كارثة كبرى عند هذه النقطة، جزئيًا لأسباب خارجية، ولكن إلى حد كبير لأسباب داخلية.
”.
إنكار الضعف التدريجي للإمبريالية الأمريكية.
عندما سُئل عن تراجع نفوذ أمريكا، أقرّ بوجود تراجع، لكنه عاد وأكد أنها “تبقى القوة العالمية السائدة”.
يرى أن ما حدث في أفغانستان فشل وليس هزيمة، كما يرفض الاعتراف بهزيمتها في فيتنام.
عدم إدانته المبكرة للغزو الأمريكي لفيتنام:
يقرّ بأنه لم ينتقد الغزو الأمريكي لفيتنام إلا في وقت متأخر جدًا.
إنكار دور جهات متنفذة في اغتيال كينيدي:
يقول إن “اعتبار اغتيال كينيدي مؤامرة عالية المستوى أمر غير معقول”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك