برحيل الأستاذ الدكتور مفيد شهاب، يفقد الوطن أحد أبرز أعمدة القانون الدولي في العصر الحديث، وقامة أكاديمية ووطنية نادرة جمعت بين رصانة العلم ونقاء السيرة، وبين عمق الفكر والانحياز الصادق لمصلحة الدولة المصرية.
لم يكن مجرد أستاذ جامعي مرموق، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، خرّجت أجيالًا من القانونيين والدبلوماسيين الذين حملوا رسالته في الدفاع عن الحق وترسيخ سيادة القانون.
سيظل اسمه محفورًا في ذاكرة المصريين بوصفه أحد أبرز أبطال لجنة استرداد طابا، تلك المعركة القانونية الفاصلة التي أثبتت أن الحق لا يسقط ما دام وراءه رجال يؤمنون به.
في ملف طابا، لم يكن الدكتور مفيد شهاب مجرد عضو في فريق التحكيم الدولي، بل كان عقلًا قانونيًا يقظًا أدرك أن السيادة لا تُستعاد بالشعارات، بل بالحجج الدامغة، والوثائق الموثقة، والعمل الدؤوب في أروقة العدالة الدولية.
بذل جهدًا استثنائيًا طوال سنوات التحكيم، واضعًا خبرته وعلمه في خدمة قضية وطن، حتى عادت طابا إلى حضن مصر، شاهدًا حيًا على انتصار القانون حين يتسلح بالإرادة والعلم.
امتدت مسيرته إلى العمل العام، فتولى حقائب وزارية مهمة، من بينها وزارة التعليم العالي، ووزارة الدولة لشؤون مجلسي الشعب والشورى، حيث جسّد نموذج المسؤول الهادئ الرزين، الذي يدير الملفات الشائكة بعقل قانوني منضبط ورؤية وطنية واضحة.
لم يكن انتقاله إلى العمل التنفيذي قطيعة مع عالم الأكاديميا، بل كان امتدادًا طبيعيًا له؛ إذ ظل يؤمن بأن التشريع الرشيد هو الأساس الصلب لبناء الدولة الحديثة، وأن المؤسسات القوية لا تقوم إلا على قواعد قانونية راسخة.
كما كان من الكفاءات الوطنية التي استعان بها الرئيس عبد الفتاح السيسي في عدد من القضايا المهمة، تقديرًا لخبرته الممتدة، ورؤيته المتزنة، وقراءته الدقيقة لتعقيدات القانون الدولي وتشابكاته.
ظل حاضرًا بخبرته كلما احتاج الوطن إلى صوت القانون الحكيم، وإلى قراءة متأنية في زمن تتسارع فيه التحديات.
وعلى الصعيد الإنساني، عُرف الدكتور مفيد شهاب بدماثة الخلق، ونقاء اليد، وابتعاده عن الأضواء رغم استحقاقه لها.
كان شريفًا في مواقفه، صادقًا في عطائه، مؤمنًا بأن خدمة الوطن شرف لا يُبتغى من ورائه إلا رضا الضمير.
لم يكن من دعاة الضجيج، بل من رجال الأثر العميق والعمل الصامت.
برحيله، تخسر مصر فقيهًا كبيرًا، وأستاذًا ملهمًا، ورجل دولة من طراز رفيع.
غير أن سيرته ستبقى درسًا للأجيال: أن القانون يمكن أن يكون سلاحًا للحق، وأن الوطنية الحقة تُكتب بالفعل لا بالشعار، وبالإنجاز لا بالادعاء.
رحم الله مفيد شهاب، الأستاذ والوزير وأحد رموز معركة الكرامة الوطنية، وجعل ما قدمه لوطنه في ميزان حسناته، وأبقى اسمه خالدًا في ذاكرة التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك