العربي الجديد - جهود لاستعادة العملية التعليمية في الحسكة رغم التحديات وكالة شينخوا الصينية - الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة بكين-تيانجين-خبي بشمالي الصين يرتفع إلى قرابة 12 تريليون يوان روسيا اليوم - ترامب: الولايات المتحدة تعمل بجد لإنهاء النزاع في أوكرانيا روسيا اليوم - ترامب: أنهيت 8 حروب في 10 أشهر العربي الجديد - مرسوم التسوية... قرار يعيد الأمل إلى المهاجرين في إسبانيا العربية نت - البنك الدولي: فجوة صادمة بين قوانين المساواة بين الجنسين وتنفيذها وكالة ستيب نيوز - رسائل غامضة تغزو هواتف الإيرانيين.. اختراق تقني أم تحذير من القادم القدس العربي - طرد نائب ديموقراطي رفع لافتة “السود ليسوا قرودا” خلال خطاب ترامب في الكونغرس- (فيديو) روسيا اليوم - إيران تستبدل سفيرها في بيروت الجزيرة نت - هل أصبحت الصواريخ الإيرانية مصدر تهديد للأراضي الأمريكية بدل إسرائيل؟
عامة

نحن آخر جيل عرف الحياة قبل الهواتف الذكية

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 أسبوع

آخر الشهود في مساءلة التكنولوجيا الرقمية.شهادة على تآكل الحياة الاجتماعية في زمن الهواتف الذكية.كنت أعبر ساحة بئر إنزران، التي تناثرت فيها بعض السيارات الكهربائية الصغيرة التي يستمتع الأطفال بسياق...

ملخص مرصد
يتناول المقال تجربة الجيل الحالي كآخر من عاش الحياة قبل الهواتف الذكية، مسلطاً الضوء على تأثير التكنولوجيا الرقمية على العلاقات الاجتماعية ودور هذا الجيل في مساءلة التكنولوجيا بوعي ومسؤولية.
  • يصف الكاتب تراجع التواصل الاجتماعي المباشر بسبب الهواتف الذكية
  • يؤكد على أن جيله هو الوحيد القادر على تقييم تأثير التكنولوجيا الرقمية
  • يدعو الباحثين لتحويل التجربة الشخصية إلى معرفة علمية منظمة
من: الكاتب وجيله (آخر من عاش قبل الهواتف الذكية)

آخر الشهود في مساءلة التكنولوجيا الرقمية.

شهادة على تآكل الحياة الاجتماعية في زمن الهواتف الذكية.

كنت أعبر ساحة بئر إنزران، التي تناثرت فيها بعض السيارات الكهربائية الصغيرة التي يستمتع الأطفال بسياقتها مقابل دراهم معدودة، وإذ بي أسمع أحدهم ينادي باسمي.

كان الصوت قادما من يميني، حيث الكراسي الباردة غير المريحة، التي صممها أحد العباقرة ليعاقب الذين يجلسون عليها لأنهم يمتلكون رفاهية إيجاد وقت لارتياد الساحات العامة.

كان موظفا متقاعدا وأحد الجمعويين النشطاء سابقا.

سلمت عليه وأخذنا الحديث إلى موضوع الأصدقاء والاستئناس بهم، فأخبرني ممتعضا أنه أصبح يفضل الجلوس وحيدا؛ لأنه في كل مرة يدعوه أحدهم للجلوس في المقهى، كان يلبي الدعوة، ثم يفاجأ بأن المضيف يستخرج هاتفه ويتجاهله تماما.

لذا تحدث بحسرة عن افتقاده لجلسات الأصدقاء الصاخبة في المقاهي، واستنكر على بعض المسنين مبالغتهم في استخدام هواتفهم الذكية.

ودعته وأنا أتحسر على زمن مضى، زمن الصداقة والصحبة الطيبة والدفء الاجتماعي، وأقلق من زمن مقبل ينذر بانحسار متنام للجانب الاجتماعي، حيث تعوض الهواتف الذكية حكايات الأصدقاء ونكاتهم.

والأمر ليس بسيطا كما يبدو؛ فكيف أقنع الآن مراهقا بأن الجلوس مع أسرته وعائلته أفضل من متابعة إنستغرام، وتبادل الرسائل وقلوب الإيموجي مع مراهقات في سنه؟ وكيف أقنع فتى بأن كرة القدم والركض بين الأشجار أكثر متعة من لعبة" بابجي" أو" فري فاير"؟الأجيال الجديدة لا تعرف شيئا مما ذكرت، بل يعد الرقمي جزءا من حياتها" الاجتماعية" العادية، حيث سيصبح التداخل بين الواقعي والرقمي والافتراضي طابعا أصيلا للحياة المستقبلية.

أعرف شابا في الثلاثين من عمره يجلس إلى أصدقائه في المقهى، ويأخذ كل منهم هاتفه وينعزل في تجربة استخدام فردية؛ لكنهم من حين لآخر يتبادلون تعليقات أو أخبارا قصيرة، إذ يبدو أنهم طوروا نمطا جديدا من الأنس ببعضهم من دون التضحية بمتعة استخدام هواتفهم الذكية.

طبعا، لا يمكن أن نلوم أيا من هؤلاء؛ لأنهم وضعوا جميعا في منافسة غير عادلة تحدث أطوارها كل يوم بين مستخدم بسيط وتكنولوجيا مخادعة، يقبع في خلفيتها فريق كامل من المتخصصين في علم النفس، وعلم النفس المعرفي، والهندسة الاجتماعية، والبرمجة، والتصميم وغيرها من التخصصات.

ومهمتهم الوحيدة هي جعل تجربة استخدام الإنترنت ممتعة لكل شخص إلى حد الإدمان، وإطالة زمن استخدامه ما أمكن، وعلى حساب كل شيء: على حساب الدراسة، والعمل، والعبادة، والرياضة، والعائلة، وكل شيء.

إنه استغراق كامل لا يستثني شيئا!

غير أن هناك مشكلة أخرى قلما ننتبه إليها، وهي أن المستخدمين من الفئات الشابة واليافعة يفتقدون القدرة على المفاضلة والمقارنة.

فنحن حاليا أمام تشكل بيئة رقمية ستتواجد فيها الأجيال المقبلة لفترات طويلة، بحيث لن يعود باستطاعتهم، عكس أبناء جيلي، إدراك التمايزات بين الواقعي والرقمي والافتراضي من خلال عقد مقارنات نوستالجية بين زمنين: زمن الإنترنت وما قبله.

فأنا مثلا من جيل عاش تجربة مزدوجة؛ عشت متعة اللعب وتسلق الأشجار، واستمتعت بجلسات المقاهي مع الأصدقاء، وكتبت رسائل بطابع بريدي، وانتظرت الرد لأيام، ثم فتحت الرسائل الواردة بشغف ولهفة، وكنت أنتظر زيارة عمي لنا بشوق لأقضي يوما طويلا في اللعب مع أبنائه.

لذا لا يفتنني الرقمي ولا يستغرقني بالكامل؛ لأنني أدرك ما يقدمه لي الرقمي وما ينتزعه مني.

أما الأجيال الجديدة فلا تعرف شيئا مما ذكرت، بل يعد الرقمي جزءا من حياتها" الاجتماعية" العادية، حيث سيصبح التداخل بين الواقعي والرقمي والافتراضي طابعا أصيلا للحياة المستقبلية.

إننا الجيل الوحيد القادر على مساءلة التكنولوجيا الرقمية بوعي ومسؤولية، لا من موقع الرفض ولا بدافع الحنين، بل لأننا نملك تجربة مزدوجة نادرة.

أدرك الآن أنني من جيل نادر وثمين؛ أنا من الجيل الأقدر على تقييم تأثير التجربة الرقمية في الحياة الاجتماعية، والأقدر على قيادة المقاومة.

وقدرتنا تنبع من أننا نملك، في الأدنى، تصورا ما أو حدسا عن المعايير الأخلاقية للمجال الرقمي يحتاج إلى تطوير وإنضاج.

وهذا التصور مستمد من تجربتنا المزدوجة لشكلين من الوجود والإدراك: عالم ما قبل الرقمي، والعالم الرقمي.

إننا أمام فرصة ثمينة، حيث ما زال جيلنا يعيش أشكالا" تقليدية" من المقاومة الاجتماعية، وإن كانت مساحتها تنحسر تدريجيا، وذكريات ما تزال باقية عما تركناه وراءنا في حياتنا قبل الإنترنت.

نحن الجيل الوحيد الذي يعرف ما كان يمتلكه قبل الإنترنت من قيم وغنى اجتماعي.

لذا نحن الجيل الأقدر على المقاومة إن استطعنا تحويل تلك الذكريات إلى مرجع أساسي للتقييم والتحليل والتحرك.

إننا الجيل الوحيد القادر على مساءلة التكنولوجيا الرقمية بوعي ومسؤولية، لا من موقع الرفض ولا بدافع الحنين، بل لأننا نملك تجربة مزدوجة نادرة: نعرف ما يقدمه الرقمي، وندرك في الوقت نفسه ما يسلبه من زمن وعلاقات وحضور إنساني.

أعرف أن الآباء والأمهات من جيلي يعيشون هذا التحول في صيغته اليومية البسيطة، ويدافعون عن القيم الاجتماعية يوميا من خلال جدلهم المتكرر مع أبنائهم حول زمن الشاشات، ومحاولاتهم المحدودة لحماية لحظات الأسرة واللقاء المباشر.

وهم بذلك يمارسون مقاومة عفوية هي أخلاقية أكثر منها مقاومة واعية ومدروسة، تنبع من إحساسهم بالخسارة لا من قدرتهم على فهمها وتحليلها.

الخطر الحقيقي لا يكمن في هواتفنا الذكية فقط، بل يظهر في اللحظة التي نكف فيها عن القلق، ونعتاد التنازل الصامت عن دفء اللقاء.

أما الباحثون والمتخصصون من الجيل نفسه فتقع على عاتقهم مسؤولية مضاعفة؛ إذ لا يملكون فقط الذاكرة المقارنة، بل يمتلكون أدوات الفهم والتأطير والتفسير.

وهذا يجعلهم يتحملون عبء الانزعاج الدائم؛ لأنهم ضحايا استغلال الفاعلين الكبار في المجال الرقمي، ويتحملون حسرة مشاهدة أبنائهم خصوصا، والمجتمع عموما، وهم يفقدون يوما بعد يوم مساحات كبيرة من دفء حياتهم الاجتماعية وقيمهم الإنسانية.

ويتحملون أيضا الإحساس بالذنب عن تقصيرهم لعدم قدرتهم على مواكبة التغيرات التكنولوجية بشكل حثيث بالدراسة العلمية المتعمقة.

إنهم مطالبون بتحويل التجربة الشخصية إلى معرفة علمية منظمة، وإلى نماذج تحليلية وتربوية وأخلاقية قادرة على توجيه السياسات التعليمية، وتصميم البيئات الرقمية، وحماية الحياة الاجتماعية من الذوبان التدريجي في الطوفان الرقمي.

ولعل الخطر الحقيقي لا يكمن في هواتفنا الذكية فقط، بل يظهر في اللحظة التي نكف فيها عن القلق، ونعتاد التنازل الصامت عن دفء اللقاء، وعن بطء الزمن الإنساني، وعن ملل كان في جوهره مساحة للخيال والتأمل والنمو.

تلك اللحظة قد تعلن في صمت بداية أفول جيل كامل كان يعرف معنى الانتظار، ويجيد العيش خارج الإشعارات والتنبيهات.

حينها سيغدو ما تبقى من الحياة الاجتماعية مجرد أثر باهت لذاكرة جيل قد لا يتكرر.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك