في الأشهر الأولى بعد 7 أكتوبر، استخدمت مفهوم “مجزرة” لوصف ما حدث.
ما شاهدته عندما تجولت في الجنوب مع إليكس ليباك لم يكن بالإمكان أن لا نصفه كمجزرة.
ففي “سديروت” و”أوفكيم” وفي موقف سيارات في “رعيم” في شارع 232، المزروع بالموت، وفي “بئيري” و”نير عوز”، رأينا شهادات لا تحصى، صامتة، على مجزرة.
آثار الدم المتخثرة في بيوت الأصدقاء، والأرواح التي أزهقت في لحظة، ونسخة صحيفة “هآرتس” الصادرة في يوم الجمعة السابق والتي تم قتل قرائها وهم يتصفحونها، وجثث الكلاب التي تتدحرج في الساحات والسيارات المحطمة التي تحمل بقايا حفلة “نوفا” وبطاقات هوية وممتلكات شخصية تحت أنقاض مركز الشرطة في “سدروت”، التي تم إخراجها بعد ذلك، وبالطبع شهادات شهود العيان الناجين، جميعهم رووا قصة مجزرة فظيعة، مجزرة ولكن أي مجزرة؟بعد مرور سنة تقريباً، لم يعد باستطاعتي استخدام كلمة مجزرة.
وذلك بعد أن اقتصر استخدام هذه الكلمة في الخطاب الإسرائيلي لوصف ما حدث لنا.
كانت المجزرة تعني مجزرة الإسرائيليين التي حدثت في الجنوب.
ولم يكن هناك مجزرة غيرها.
نادراً ما استخدم أحد كلمة “مجزرة” لوصف ما حدث في الطرف الثاني من الحدود في غزة، الذي كان من صنع أيدينا.
عندما يقول إسرائيلي “مجزرة” فهو يعني مجزرة الإسرائيليين، بالضبط وكأنه يقول إنه لا توجد مجزرة أخرى.
أصبحت كلمة “مجزرة” مشحونة ومتحيزة، تستخدم في خدمة الدعاية، لذلك فهي غير مقبولة لي بسبب معناها أحادي الجانب.
كانت المجزرة تعني مجزرة الإسرائيليين التي حدثت في الجنوب.
ولم يكن هناك مجزرة غيرها.
نادراً ما استخدم أحد كلمة “مجزرة” لوصف ما حدث في الطرف الثاني من الحدود في غزة.
في غضون ذلك، كانت المجزرة الثانية تتكشف بكل قوتها، ولم يطلق عليها أحد أي اسم.
هذه المجزرة الثانية لم تلغ المجزرة الأولى، بل تجاوزتها في حجمها من حيث العدد والدمار.
ولا يقلل من فظاعة المجزرة أنها نفذت من الجو على الأغلب.
أما الجدل المحتدم الذي اندلع مؤخراً حول المحاولة البائسة للحكومة لمحو المجزرة التي حلت بنا من الوعي، فيمكن أن يثير ابتسامة مريرة.
لا يوجد ما هو أكثر سخرية من ذلك.
فبعد أكثر من سنتين تجنب فيها الخطاب العام استخدام مصطلح مجزرة أو المصطلحات المرادفة له، لوصف ما فعله الجيش الاسرائيلي بسكان غزة بعد أكثر من سنتين حاولت فيهما إسرائيل إقناع نفسها والعالم بأن المجزرة الوحيدة التي حدثت هي المجزرة ضد الاسرائيليين.
بعد أكثر من سنتين من لعب دور الضحية، لم تظهر إسرائيل فيهما لنفسها وللعالم إلا جراحها.
فبعد أكثر من سنتين حظرت فيهما كل مظاهر التعاطف والإنسانية والتضامن مع ضحايا المجزرة الثانية، بعد أكثر من سنتين أخفت فيهما وسائل الإعلام الإسرائيلية المجزرة الثانية وحجبتها وشوشت عليها بل ونفتها، بعد ذلك كله تأتي الحكومة وتحاول محو المجزرة الأولى من وعي الإسرائيليين، وكأنها لم تحدث قط.
ويأتي وزير الثقافة للتحدث ضد لعب دور الضحية الذي غرقت فيه إسرائيل تماماً، ما دام هذا الأمر يخدم مصالحها.
لكن في اسرائيل حدثت مجزرة، وفي غزة – إبادة جماعية.
يجب الاعتراف بذلك.
إن قوة الكلمات قوة عظيمة.
وقلة اكتراث الإسرائيليين بما فعلته دولتهم في غزة هو الدليل على قوة الكلمة الهائلة.
فعندما كانت إسرائيل تقول مجزرة، كان القصد فقط هو قتل 1200 اسرائيلي، ولم يكن القصد في أي وقت الإشارة إلى قتل 70 ألفاً من سكان غزة، ما يثبت حجم سهولة غسل الأدمغة وتشكيل الوعي.
لذلك، فإن الحرب على الكلمات مهم جداً الآن.
يجب على الذين يناضلون وبحق للحفاظ على كلمة “مجزرة” عند وصف فظائع 7 أكتوبر، أن يتبنوا نفس الكلمة على الأقل لوصف ما فعلته إسرائيل في وحشية ردها على غزة.
من المستحيل الحديث عن مجزرة 7 أكتوبر بدون التطرق إلى المجزرة العقابية والانتقامية.
إن دماء ضحايا غلاف غزة تصرخ، ودماء آلاف الأطفال الذين قتلوا في غزة.
كلاهما كان ضحية لسلوك همجي ومجرم.
كلاهما يستحق تعريف صحيح وليس دعاية كاذبة.
لقد حدثت مجزرة في اسرائيل وإبادة جماعية في غزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك