يشهد قطاع الكاكاو في غرب أفريقيا، الذي يهيمن على الإمدادات العالمية، تحولات هيكلية غير مسبوقة بفعل التقلبات الجنونية في الأسعار.
فبعد ارتفاع قياسي للعقود المستقبلية عام 2024، أعقبه تراجع حاد بأكثر من 70%، بدأت الدول المنتجة الكبرى، وفي مقدمتها غانا وساحل العاج، بإعادة النظر في أنظمة التسعير الحكومية الصارمة التي طالما حكمت القطاع.
هذه الأنظمة، التي صُممت لحماية صغار المزارعين من تقلبات السوق، أظهرت عجزًا كبيرًا عن مواكبة المتغيرات الدراماتيكية.
ففي الوقت الذي فشلت فيه في تمكين المزارعين من الاستفادة من موجة الصعود التاريخية، وجد التجار أنفسهم عالقين مع حبوب غير مبيعة وهوامش ربح متآكلة مع بداية الهبوط.
أدت الأمراض التي ضربت المحاصيل والظروف المناخية القاسية إلى شح الإمدادات، مما دفع الأسعار إلى ذروتها عند 13 ألف دولار للطن عام 2024.
ولكن مع تراجع الطلب وتحسن الإنتاج، ظهر فائض عالمي ضخم يقدر بنحو 400 ألف طن، مما تسبب في انهيار الأسعار إلى ما دون 4000 دولار للطن حاليا، هذا التباين الكبير كشف هشاشة النظام القائم، حيث تكدست الحبوب في المخازن والموانئ دون مشترين، في الوقت الذي لجأ فيه مصنعو الشوكولاتة إلى تعديل وصفاتهم لخفض التكاليف.
كاستجابة مباشرة لهذه الأزمة، أعلنت غانا، ثاني أكبر منتج عالميا، عن خطة لإصلاح نظام تسعير الكاكاو.
وتتضمن الخطة الانتقال إلى نظام أكثر مرونة يسمح بتعديل الأسعار المحلية تلقائيا بناء على التغيرات في السوق العالمية.
كما سيتم السماح للهيئة التنظيمية" كوكوبود" بإصدار سندات محلية لتمويل شراء المحصول، بهدف تصريف المخزون المتراكم وتخفيف الضغط على سلاسل الإمداد.
لقى هذا التحرك ترحيبا من بعض المزارعين الذين يأملون في ربط أسعارهم بشكل مباشر وفوري بتحركات السوق العالمية، غير أن التطبيق الفعلي لهذا النظام الجديد ما زال رهن موافقة البرلمان، ومن المتوقع أن يدخل حيز التنفيذ مع بداية موسم الحصاد الرئيسي في أكتوبر المقبل.
في المقابل، تتزايد الضغوط على ساحل العاج، أكبر منتج للكاكاو في العالم.
فمع امتناع العديد من المتداولين عن شراء المحصول الأوسط الجديد بسبب الأسعار المرتفعة غير التنافسية، ووجود فائض يزيد عن 100 ألف طن من الحبوب غير المباعة، يرى مراقبون أن ساحل العاج أمامها خياران لا ثالث لهما: إما خفض أسعار الشراء المحلية أو المخاطرة بتراكم المزيد من المخزون.
هذه الضغوط دفعت بعض التجار إلى البحث عن مصادر بديلة للكاكاو في أميركا الجنوبية، مما يهدد بتراجع الهيمنة التاريخية لغرب أفريقيا على السوق العالمية.
ويقدر الخبراء أن غانا وساحل العاج لا تزالان تمتلكان نحو 200 ألف طن من المحصول الرئيسي تحتاج إلى تصريف، وهو ما قد يستمر في الضغط على الأسعار عالميًا خلال الفترة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك