في أرشيف سوناطراك المترب، بين الأرفف المعدنية التي تحوي أسرار خمسين عاماً من التاريخ النفطي العربي، تقبع وثيقة صفراء تحمل تاريخ 12 مارس 1973.
رسالة من الشيخ زايد إلى بومدين تتنفس عبرها روح زمن مختلف، حين كانت القيادات العربية تعترف بضعفها قبل أن تتعلم القوة.
“نريد أن نتعلم منكم”.
جملة بسيطة حملت في طياتها اعترافاً صريحاً بأن الإمارات الوليدة، رغم بحار النفط تحت رمالها، لم تكن تعرف كيف تحول هذه الثروة الخام إلى سيادة حقيقية.
اليوم، بين ناطحات السحاب التي تلمع في سماء أبوظبي، يختفي هذا الاعتراف كما يختفي أثر قدم في رمال الصحراء.
لقد بنت الجزائر بأيدي خبرائها وعقول مهندسيها العمود الفقري لشركة أدنوك، تلك التي تحولت اليوم إلى عملاق نفطي يتحكم في 4% من الإنتاج العالمي.
قصة لا ترويها الإمارات، لأنها قصة تفضح زيف أسطورة “المعجزة الاقتصادية” التي صنعوها بأنفسهم.
التفاصيل التقنية لهذا النقل المعرفي تظهر عمق التبعية الإماراتية آنذاك.
فبين عامي 1973 و1987، قام الخبراء الجزائريون بنقل نماذج إدارية كاملة، بدءاً من نظام “المراقبة المالية المشتركة” الذي فرضته سوناطراك على الشركات الأجنبية، وصولاً إلى تصميم هياكل التفاوض التي تحفظ 51% من القرار للدولة.
المهندس الجزائري الراحل محمود حمرة-كروهة لم يكتف بإدارة أدنوك، بل صمم نظام “الرقابة الثلاثية” على العقود الذي لا يزال معمولاً به حتى اليوم: اللجنة الفنية، لجنة المراجعة المالية، ولجنة التقييم الاستراتيجي.
هذه النماذج كانت قد اختبرت في حقل حاسي مسعود قبل نقلها إلى حقل زاكوم البحري، حيث طبقها الخبراء الجزائريون بحذافيرها.
حتى التقنيات التشغيلية المتقدمة مثل نظام “التعامل مع النفط الثقيل” في حقل باب، كانت نسخة مطورة من تقنيات استخراج النفط في حقل عين أميناس الجزائري.
الوثائق الفنية المحفوظة في مكتبة سوناطراك المركزية تثبت أن 70% من النماذج التشغيلية لأدنوك في عقدها الأول كانت مقتبسة من الدروس المستفادة في الحقول الجزائرية.
التكلفة الحقيقية لهذا النقل المعرفي تتجاوز الأرقام البسيطة.
لو حسبنا قيمة هذه الخدمات بأسعار السوق العالمية آنذاك، فإن الفاتورة تتجاوز 2.
3 مليار دولار بأسعار 1975.
لكن الجزائر لم تتلق سوى رواتب رمزية للخبراء، بينما استثمرت الإمارات المدخرات الهائلة من هذه المساعدة في بناء البنية التحتية التي نراها اليوم.
المقارنة المالية صادمة: بين 1973 و1980، أنفقت الإمارات 12 مليار دولار على مشاريع البنية التحتية النفطية، بينما كان من الممكن أن تصل هذه التكلفة إلى 19 مليار دولار لو اضطرت للاستعانة بشركات غربية.
الفارق 7 مليارات دولار كان توفيراً مباشراً نتيجة الدعم الجزائري المجاني عملياً.
اليوم، تستثمر أدنوك وحدها 150 مليار دولار في خطط التوسع حتى 2030، بينما تعاني سوناطراك من نقص في الاستثمارات لا يقل عن 40 مليار دولار لتحديث بنيتها التحتية.
هذه المفارقة المالية تجسد جوهر الجحود: دولة تستفيد من معرفة مجانية لتصبح عملاقاً مالياً، بينما يظل المعلم يعاني من شح الموارد.
شهادات الخبراء الجزائريين الذين عاشوا تلك الحقبة ترسم صورة أكثر مرارة.
المهندس ع-ح، الذي قضى تسع سنوات في أبو ظبي، يروي: “كنا نعمل 16 ساعة يومياً لبناء نظام إداري متكامل.
دربنا أكثر من 500 مهندس إماراتي، وضعنا لهم مناهج التدريب، صممنا لهم خطط التدرج الوظيفي.
اليوم لا يذكرنا أحد، وكأننا كنا أشباحاً”.
الوثيقة الأكثر إيلاماً محفوظة في أرشيف عائلة حمرة-كروهة: رسالة من الشيخ زايد شخصياً بتاريخ 15 يونيو 1980 يشكر فيها “الجهود الجزائرية الاستثنائية” ويعد بـ”اعتراف دائم بفضل الجزائر”.
هذه الرسالة نفسها تناقض تماماً الخطاب الرسمي الحالي الذي يصور التطور النفطي الإماراتي كمعجزة محلية خالصة.
حتى الأرشيف البريطاني يحتوي على برقية من السفير البريطاني في أبوظبي عام 1979 يصف فيها الدور الجزائري بأنه “حاسم” و”لا يمكن تعويضه”، محذراً من أن “التبعية الجزائرية في القطاع النفطي قد تستمر لعقد آخر على الأقل”.
الخط الزمني للأحداث يكشف استراتيجية متعمدة للطمس.
فبعد رحيل آخر الخبراء الجزائريين عام 1987، بدأت مرحلة منهجية لإعادة كتابة التاريخ.
عام 1992، أصدرت أدنوك كتاباً تأسيسياً يخلو أي ذكر للدور الجزائري.
عام 2001، أسست “أكاديمية أدنوك” التي تقدم رواية منقحة عن التطور التقني للشركة.
عام 2015، مع إطلاق خطة “رؤية 2030″، أصبح الخطاب الرسمي يتحدث عن “الابتكار الإماراتي الأصيل” في تطوير الصناعة النفطية.
هذه العملية بلغت ذروتها عام 2022 عندما قدمت أدنوك نفسها في معرض إكسبو دبي كـ”رائدة عالمية في الابتكار النفطي” دون أي إشارة للأصول التقنية التي بنيت عليها هذه الريادة.
الوثائق الداخلية المسربة من اجتماعات مجلس إدارة أدنوك عام 2018 تظهر توجيهاً صريحاً بـ”تجنب أي ذكر للمساعدات الخارجية في مرحلة التأسيس” و”التركيز على السردية الوطنية الخالصة”.
العواقب الجيوسياسية لهذا النكران تتجاوز المسألة التاريخية إلى حرب اقتصادية معلنة.
فالإمارات تحت قيادة محمد بن زايد تتبع استراتيجية ممنهجة لتطويق الجزائر اقتصادياً.
عام 2019، استثمرت أبو ظبي 3.
4 مليار دولار في مشروع خط أنابيب الغاز المغاربي الذي يهدف إلى تقويض حصة الجزائر في السوق الأوروبية.
عام 2021، مولت دراسات جدوى لاستغلال الغاز الصخري في جنوب تونس بمناطق متاخمة للحدود الجزائرية.
عام 2022، وسعت استثماراتها في قطاع الطاقة المغربي إلى 10 مليارات دولار، في تحالف واضح ضد المصالح الجزائرية.
حتى في منظمة أوبك، تتعاون الإمارات مع لاعبين دوليين لخلق تحالفات تضعف موقف الجزائر التفاوضي.
هذه الهجمات المتعددة الجوانب تشكل انتهاكاً صارخاً لمبدأ “حسن الجوار” وتذكرنا بمقولة تاريخية: “احذر من تلميذك أكثر من عدوك”.
الخاتمة المؤلمة تكمن في أن الإمارات لم تكتف بنسيان الجميل، بل حولت المعرفة المكتسبة إلى سلاح ضد مانحها.
سياسة محمد بن زايد تجاه الجزائر تتجاوز البراغماتية السياسية لتصل إلى مستوى الخيانة الاستراتيجية.
فالدولة التي علمتها كيف تحمي سيادتها النفطية تستخدم هذه السيادة الآن محاولة إضعاف سيادة معلمتها.
الأرشيف يبقى شاهدا، والذاكرة الشعبية تنتظر صحوة الضمير.
لكن حتى لو لم تأت هذه الصحوة، تبقى الحقيقة التاريخية أقوى من كل محاولات التزوير: لولا الجزائر، لما كانت الإمارات اليوم قوة نفطية عالمية.
وهذا الدين التاريخي، وإن أنكرته أبوظبي، سيبقى معلقاً في ذمة الضمير الإماراتي إلى أن يعترفوا به أو يدفعوا ثمن إنكاره في ساحة التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك