في عصر التحول الرقمي وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد هذه المنصات مجرد وسيلة للتواصل والترفيه، بل أصبحت ساحة مفتوحة لجرائم السوشيال ميديا، إذ أسهم الانتشار الواسع للتكنولوجيا، وسهولة الوصول إلى الإنترنت، في استغلال هذه الوسائل لأغراض غير مشروعة؛ مثل الابتزاز الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، ونشر الشائعات وخطاب الكراهية، ما يشكل تهديدا مباشرا لأمن الأفراد والمجتمعات.
«الحديدي»: التطور التقني أسرع من النصوص التشريعية ويحول دون الوصول إلى شبكات منظمة تدار من الخارج.
ويرى الخبير القانوني محمود الحديدي أن أخطر ما يهدد المجتمع في جرائم مواقع التواصل الاجتماعي هو تحولها إلى جريمة منظمة عابرة للحدود والقارات، لأننا لم نعد أمام أفعال فردية معزولة، بل أمام شبكات تعمل بشكل منظم وتدار أحيانا من خارج الدولة.
وأوضح «الحديدي» لـ«الوطن»، أن هذا النوع من الجرائم تجاوز نطاق التشريعات الوطنية، وأصبح في حاجة حقيقية إلى اتفاقيات دولية وتعاون قضائي وتقني بين الدول؛ لأن الجريمة لم تعد تعترف بحدود جغرافية أو سيادة إقليمية.
وأكد أن القانون المصري حاول مواجهة هذا التطور من خلال إصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي وضع إطارا قانونياً لتجريم العديد من الأفعال المرتكبة عبر شبكة المعلومات، إلا أن الواقع العملي يؤكد أن التطور التقني أسرع من النصوص التشريعية.
وأشار إلى أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود النص القانوني، وإنما في آليات التطبيق والإثبات، بخاصة في الجرائم التي يكون مرتكبوها خارج البلاد أو يستخدمون وسائل تقنية معقدة تحول دون الوصول السريع إليهم.
وأشار إلى أنه فى بعض الأحيان يتحول المجني عليه إلى متهم، وذلك لأن الضحية، تحت وطأة الخوف أو الانفعال، يرد على الإساءة بإساءة مماثلة، أو يوجه سبا أو تهديدا مقابل ما تعرض له، والأخطر من ذلك أن الجاني الحقيقي قد يبادر بالإبلاغ، ويستند إلى رد فعل الضحية ليستخدمه ضده قانونا، فيظهر في الأوراق باعتباره مجنيا عليه، بينما الأصل أن الفعل الإجرامي بدأ منه، فالقانون لا يعتد بمن بدأ الواقعة بقدر ما يعتد بما ثبت في الأوراق من أفعال.
ويرى «الحديدي» أن العديد من مرتكبي جرائم مواقع التواصل الاجتماعي يلجأون إلى وسائل تقنية تهدف إلى إخفاء هويتهم أو مكانهم الحقيقي، أو استخدام تطبيقات تتيح محو الرسائل بعد إرسالها، أو إغلاق الحسابات عقب ارتكاب الفعل الإجرامي مباشرة، بقصد صعوبة التتبع والوصول إلى الفاعل، وهو ما نواجهه بشكل متكرر في القضايا المنظورة أمام المحاكم.
ويمكن أن تتحول الرسالة أو المنشور إلى جريمة مكتملة الأركان عند توافر الفعل المادي، والقصد الجنائي، وترتب على ذلك ضرر، ولو كان ضرراً أدبياً، وساعتها لا يكون الأمر مجرد رأى أو تعبير، وإنما فعل معاقب عليه قانوناً، وفقاً للخبير القانونى.
ولفت إلى أن القانون المصرى لا يشمل توصيفاً مستقلاً لجريمة «التشهير الإلكترونى»، لأن التشهير فى حقيقته جريمة واحدة تخضع لأحكام قانون العقوبات، ويختلف فقط أسلوب أو وسيلة ارتكابها.
«طارق»: طرق النصب عديدة أبرزها عروض الوظائف المزيفة وطلب بيانات التسجيل والروابط المشبوهة.
من جانبه، حذر المهندس يوسف طارق، خبير الأمن السيبرانى، ورائد أعمال فى مجال الذكاء الاصطناعى، من مخاطر السوشيال ميديا وجرائمها، مؤكداً أن مواقع التواصل الاجتماعى أرض خصبة للانتهاكات المتعلقة بالخصوصية، حيث يمكن للمستخدمين مشاركة معلومات شخصية بشكل طوعى أو دون وعى، ما يجعلهم عرضة للسرقة الإلكترونية أو الاختراق، وغالباً ما تُستخدم البيانات الشخصية فى عمليات الاحتيال، أو لابتزاز الأفراد، أو لاستهدافهم بالإعلانات المضللة، ما يشكل تهديداً مباشراً لسلامتهم الرقمية والحياتية، وفقاً لما يُعرف باسم «الهندسة الاجتماعية».
وأضاف «طارق»، لـ«الوطن»، أن هناك طرقاً عديدة لجرائم السوشيال ميديا؛ مثل عروض الوظائف المزيفة على الإنترنت، وتتسم بعدة علامات، مثل وعود براتب كبير مقابل مهام بسيطة جداً، وطلب بيانات تسجيل الدخول أو الأكواد الشخصية، والضغط على المتقدم للتصرف بسرعة أو التواصل عبر «واتساب وتليجرام» بدل المنصة الرسمية، واستخدام روابط مشبوهة أو مليئة بالأخطاء اللغوية، وطلب تنزيل ملفات أو تطبيقات غريبة.
وعند التعرض لأى مخاطر متعلقة بمواقع التواصل الاجتماعى، نصح «طارق» بضرورة تغيير كلمة المرور فوراً من جهاز آمن، وتفعيل المصادقة الثنائية (2FA)، ومراجعة الأجهزة المتصلة بالحساب وحذف أى جهاز غير معروف، وحذف التطبيقات الغريبة وفحص الجهاز أمنياً، واستخدام خطوات الاسترجاع الرسمية للحساب فى حال الاختراق، والتواصل مع البنك فوراً إذا تم دفع أموال، بالإضافة إلى تنبيه الأصدقاء لتجنب الوقوع فى نفس الفخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك