قبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان، تتحول شوارع السيدة زينب إلى مسرح مفتوح لعادات مصرية ضاربة بجذورها في الذاكرة الشعبية، وعلى رأسها الإقبال على الفسيخ والرنجة.
روائح الملح والدخان تختلط بأصوات الباعة، ولافتات الأسعار المعلقة على واجهات المحال، في مشهد يتكرر كل عام، لكنه هذا الموسم يحمل ملامح مختلفة.
رغم اختلاف الأجيال وتبدل أنماط الاستهلاك، لا تزال الفسيخ والرنجة تحتلان مكانة خاصة على موائد المصريين، خصوصًا قبل رمضان.
فالبعض يعتبرها “آخر متعة” قبل الامتناع عنها طوال الشهر، فيما يراها آخرون عادة لا تكتمل أجواء ما قبل الصيام بدونها، سواء بتناولها في المنزل أو عبر المطاعم الشعبية المنتشرة في المنطقة.
داخل أحد محال بيع الأسماك المملحة في السيدة زينب، تتراص البراميل الخشبية المليئة بالفسيخ، وبجوارها صفوف الرنجة المدخنة.
الأسعار هذا العام كانت كفيلة بتغيير شكل الإقبال؛ إذ وصل سعر كيلو الفسيخ إلى 570 جنيهًا، فيما بلغ سعر كيلو الرنجة 260 جنيهًا.
يقول صاحب أحد المحلات، في حديثه لـ فيتو: “الإقبال قلّ كتير عن الايام اللي فاتت، آخر يوم كان فيه حركة كويسة بجد كان يوم الجمعة اللي فات.
”.
حديثه يعكس حالة عامة في السوق؛ زبائن يسألون أكثر مما يشترون، وكميات أقل تُباع مقارنة بالمواسم السابقة، مع اعتماد البعض على الشراء بالقطعة أو الاكتفاء بنصف كيلو بدلًا من الكيلو الكامل.
على عكس محال البيع، لا تزال المطاعم الشعبية المتخصصة في تقديم الفسيخ والرنجة تحافظ على معدلات إقبال مستقرة نسبيًا.
فثقافة “الأكل الجاهز” تلعب دورًا مهمًا، خاصة لدى الشباب والعاملين الذين يفضلون وجبة سريعة دون عناء التحضير أو القلق من جودة التخليل.
الساندوتشات تبدأ من 20 جنيهًا، بينما يصل سعر ساندوتش البطروخ إلى 30 جنيهًا.
أما أطباق الرنجة، فتتراوح أسعارها بين 75 و170 جنيهًا، في حين تبدأ أسعار طبق سلطة الرنجة من 80 جنيهًا وتصل إلى 180 جنيهًا، بحسب الإضافات وحجم الطبق.
ورغم التحذيرات الصحية المتكررة، لا يزال للفسيخ سحره الخاص.
كثيرون يعترفون بتخوفهم، لكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون التخلي عنه.
تقول إحدى السيدات أثناء خروجها من أحد المطاعم:
“باخده من مكان مضمون وخلاص… هو مرة في السنة، وما ينفعش رمضان يدخل من غيره.
”.
هذا التناقض بين الخوف والحنين يلخص علاقة المصريين بالفسيخ والرنجة؛ علاقة تتجاوز الطعام إلى الشعور بالانتماء واستدعاء ذكريات العائلة والموائد القديمة.
تعود علاقة المصريين بالأسماك المملحة إلى عصور قديمة، حيث عرف المصري القديم حفظ الأسماك بالتمليح، وارتبطت هذه العادة بمواسم معينة ومناسبات جماعية.
ومع مرور الزمن، انتقلت العادة من طقس احتفالي إلى تقليد اجتماعي متوارث، يطل برأسه في كل موسم صيام.
رغم تراجع الإقبال على الشراء المباشر بسبب ارتفاع الأسعار، يظل الفسيخ والرنجة حاضرين في المشهد الرمضاني، وإن بأشكال أقل وبكميات محسوبة.
قد تتغير طريقة الشراء، وقد تتبدل أماكن التناول، لكن العادة نفسها لا تزال تقاوم الغياب.
في السيدة زينب، حيث تختلط الذاكرة الشعبية بالحياة اليومية، يبدو واضحًا أن الفسيخ لم يعد مجرد وجبة، بل اختبار سنوي لقدرة العادات القديمة على الصمود أمام واقع اقتصادي متغير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك