في عالم اليوم، لم يعد التريند مجرد موجة عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح سلعة يمكن صناعتها بدقة، وأداة تحدد اتجاهات الرأي العام وتعيد تشكيل الثقافة الشعبية، بداية من مقاطع الفيديو القصيرة التي تنتشر بين فترة وأخرى، إلى الحملات الدعائية التي تتحول إلى حديث الساعة، يقف خلف كل تريند فريق من صانعي المحتوى الذين يعرفون بالضبط ما يثير اهتمام الجمهور، لكن ما بين الخدع التسويقية والإبداع الحقيقي، يبقى السؤال الأهم: كيف يُصنع التريند؟وراء كل ضحكة، كل تحدٍ، وكل قصة تنتشر، هناك صانعو التريند الذين يعتمدون على دراسة دقيقة لعادات المستهلكين، توقيت نشر المحتوى، واختيار المنصات الأكثر تأثيرا، وحتى فهم الخوارزميات التي تتحكم بما يراه المستخدمون، في بعض الأحيان، تكون الفكرة بسيطة: تحدٍ ممتع أو نكتة سريعة، لكنها تُصمم بطريقة تضمن انتشارها، وكأنها تستدرج الجمهور بلا مقاومة.
صناعة التريند ليست حكرا على الشباب أو صانعي المحتوى الفردي، بل أصبحت أداة تسويقية للشركات الكبرى والحملات الإعلامية، حيث يمكن أن يتحول هاشتاج صغير إلى ضربة تسويقية مؤثرة، أو يخلق نقاشا عاما يغير صورة منتج أو شخصية عامة.
هنا تظهر قوة التريند، ليس فقط في كونه موجة عابرة، بل في كونه مرآة لما يريده صانعوه أن نراه.
«الحارثى»: المؤثرون يعتمدون على إثارة عواطف المتلقين لتقديم محتوى قادر على تحقيق ردود فعل سريعة.
واختيار التوقيت والتكرار أبرز عناصر صناعته.
وفى هذا الشأن، قال المهندس محمد الحارثى، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن صناعة التريند تبدأ من فهم سلوك الخوارزميات، التى تكافئ المحتوى القادر على إثارة رد فعل سريع: صدمة، غضب، دهشة، أو تعاطف، لذلك نجد أن المحتوى الأكثر انتشاراً غالباً ما يكون بسيطاً فى شكله، لكنه حاد فى رسالته، أو مثيراً للجدل، أو خارجاً عن المألوف.
وأضاف «الحارثى»، لـ«الوطن»، أن العنصر الثانى فى صناعة التريند هو التوقيت والتكرار، إذ يتم ضخ المحتوى فى أوقات الذروة، مع إعادة نشره من عدة حسابات فى وقت متقارب، ما يعطى انطباعاً زائفاً بأن هناك اهتماماً جماهيرياً واسعاً، فتتعامل الخوارزميات معه على أنه «محتوى يستحق الدفع».
وأشار إلى أن العنصر الأخطر هو استخدام البشر كوقود للانتشار، إذ يعتمد صانعو التريند على دفع المستخدمين العاديين للمشاركة دون وعى، عبر الاستفزاز أو اللعب على المشاعر أو الفضول، فيتحول الجمهور من متلقٍ إلى أداة نشر مجانية.
ولفت إلى الدور البارز لمزارع التفاعل «Engagement Farms»، سواء كانت حسابات حقيقية أو آلية، ترفع أرقام المشاهدات والتعليقات فى الدقائق الأولى، وهى مرحلة حاسمة فى قرار المنصة بترقية المحتوى أو تجاهله.
ويرى «الحارثى» أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فى «التريند» نفسه، بل فى غياب الوعى بكيفية صناعته، فحين لا يدرك المستخدم أنه جزء من معادلة مدروسة، يصبح عرضة للتلاعب، سواء على مستوى الرأى العام، أو السلوك المجتمعى، أو حتى القرارات الفردية.
مخاطر مختلفة تسببها صناعة التريند سواء الإيجابى أو السلبى على المجتمع، أبرزها تكون على التأثير النفسى، خصوصاً على الشباب، حيث إذا كان المحتوى مصمماً ليصبح «تريند» قد يضغط على المستخدمين للمشاركة أو التقليد، حتى لو كان خطراً عليهم، كما أن تحديات خطيرة على «تيك توك» أو مقاطع جرأة على «إنستجرام» يمكن أن تؤدى إلى إصابات جسدية أو أزمات نفسية.
وأشار إلى خطورة التأثير الاجتماعى والأخلاقى لصناعة التريند، التى تعتمد فى بعض الأحيان على إثارة الجدل أو نشر محتوى مثير للانقسام لجذب المشاهدين، ما يسهم فى زيادة انتشار الشائعات، والتنمر الإلكترونى، أو استقطاب الرأى العام بطريقة مصطنعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك