قبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان، يتغير إيقاع الشارع المصري بهدوء، وتبدأ إشارات غير رسمية تؤكد اقتراب الشهر الكريم؛ أصوات الباعة روائح السكر الساخن وصفوف الزبائن الممتدة أمام محال الحلويات الشعبية.
هنا لا يحتاج المصريون إلى إعلان رسمي لمعرفة أن رمضان على الأبواب، فالكنافة والقطايف تؤدي هذا الدور منذ عقود.
في الأسواق الشعبية والشوارع الجانبية، تعود المشاهد المألوفة: صواني الكنافة الذهبية، وأقراص القطايف المصطفة بعناية، ووجوه زبائن يبتسمون وهم يشترون «نص كيلو» كأنهم يشترون جزءًا من الذاكرة.
جذور الحلوى من قصور الخلفاء إلى موائد البيوت.
يرتبط تاريخ الكنافة والقطايف ارتباطًا وثيقًا بشهر رمضان، ويعود ظهورهما إلى عصور قديمة، أبرزها العصر الفاطمي، حين قُدمت الكنافة كطعام مخصص للخلفاء عند الإفطار، لما تمنحه من طاقة وسكريات تعوض ساعات الصيام الطويلة.
ومع مرور الزمن، خرجت الكنافة والقطايف من القصور إلى الشوارع، لتصبح حلوى شعبية بامتياز، حاضرة على موائد الغني والفقير، ومتصلة بروح الشهر لا بطبق الحلوى فقط.
قبل رمضان بأيام، تشهد محال الحلويات إقبالًا ملحوظًا، يبرره الزبائن بجملة واحدة تتكرر كثيرًا: «بدري علشان الزحمة».
الشراء المبكر أصبح عادة لدى كثير من الأسر، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتفاوت الجودة، فيفضل البعض تأمين احتياجاته من البداية، بينما يرى آخرون أن طعم الكنافة «لسه سخن» قبل رمضان له متعة خاصة.
يقول أحد الباعة: «من أول نص شعبان، الشغل بيبدأ يزيد، والناس بتيجي تشوف الأسعار وتاخد نص كيلو تجربة».
كيف يأكلها المصريون؟ وصفات لا تنتهي.
رغم بساطة مكوناتها، فإن طرق تناول الكنافة والقطايف في مصر لا حصر لها.
الكنافة تُقدَّم سادة بالسمن والسكر، أو محشوة بالمكسرات، أو مغموسة بالقشطة، بينما تظل القطايف ملكة الحشو بلا منازع؛ من المكسرات إلى القشطة، وصولًا إلى الشوكولاتة.
وفي السنوات الأخيرة، لم تعد الكنافة والقطايف حكرًا على الشكل التقليدي، بل دخلتا عالم الابتكار، لتتحولا أحيانًا إلى وجبات كاملة أو حلويات معاصرة تنافس أشهر الحلويات العالمية.
تريندات كل سنة من القشطة إلى البستاشيو.
في كل موسم رمضاني، يظهر «تريند» جديد يغير شكل الكنافة والقطايف، ويثير الجدل بين مؤيد ومعارض، مرة بالكنافة المانجو، وأخرى بالكنافة البستاشيو، وثالثة بالقطايف النوتيلا أو الآيس كريم.
هذه الترندات، التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ساهمت في جذب أجيال جديدة، خاصة الشباب، وجعلت الكنافة والقطايف حاضرتين في الصور والفيديوهات بقدر حضورهما على موائد الإفطار.
ورغم ذلك، لا يزال كثيرون يتمسكون بالشكل التقليدي، معتبرين أن «الكنافة كنافة»، وأي إضافة مبالغ فيها تُفقدها روحها الأصلية.
الأسعار هذا الموسم بين القدرة والضرورة.
رغم التحديات الاقتصادية، لا تزال الكنافة والقطايف في متناول شريحة واسعة من المواطنين، خاصة في صورتها النيّة.
وجاءت الأسعار هذا الموسم على النحو التالي:
ويشير باعة إلى أن الإقبال لا يتأثر كثيرًا بالأسعار، لأن الكنافة والقطايف لم تعودا مجرد حلوى، بل جزء أساسي من طقوس رمضان، يصعب الاستغناء عنه.
في النهاية، تظل الكنافة والقطايف أكثر من مجرد طعام؛ إعلان غير مكتوب عن قدوم رمضان، وذاكرة جماعية مشتركة، وطقس اجتماعي يجمع الأسرة حول المائدة.
قد تتغير الحشوات، وتتنوع الأشكال، وترتفع الأسعار، لكن يظل حضورهما ثابتًا، كأن رمضان لا يكتمل إلا بصوت الزيت وهو يغلي، ورائحة السكر وهو يذوب، وطبق كنافة يتوسط المائدة عند أذان المغرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك