منذ إعلان الجزائر، قبل أيام، إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات المتحدة، في قرار سيادي لصيانة مصالحها الوطنية العليا، سعى الذباب المغربي للاصطياد في المياه العكرة، عبر محاولات يائسة للنيل من صورة الجزائر الخارجية، والاجتهاد العبثي في التسويق لدعاية “التوتر الدبلوماسي مع كل الأطراف”، مقابل إظهار الوفاق المغربي الإماراتي على أنه تكريس لروح التعاون العربي، وهي مغالطات مكشوفة لا تنطلي على أحد.
ذلك أن التفاهم بين الإمارات، والتي صار توصيفها الصحيح أقرب إلى “العبرية” منها إلى العربية، والنظام الملكي المغربي، هو تتويج طبيعي جدا لمسار دولتيْن وظيفيّتين في تجذير المشروع الصهيوني بالمنطقة العربية من شرقها إلى غربها، بمعنى آخر هو بمثابة التصاق ذيْلين في مؤخرة الكلب الإسرائيلي.
أما إذا رجعنا إلى أزمة “الإمارات غير العربية” مع الجزائر، فهي تتعلق أساسًا بالدور الوظيفي للأولى ضد الأقطار الإقليمية، ضمن مصالح ضيقة، وفي إطار خدمة الأجندة الصهيونيّة، ولا علاقة لها بإدارة الثانية لسياستها وعلاقاتها الخارجية، حيث أنه من المنطقي أن تسعى أي دولة ذات سيادة إلى الحفاظ على مصالحها مع كل الأشقاء والشركاء الأجانب.
بالنسبة للجزائر، فقذ ظلت منذ 5 سنوات تقريبًا، تحاول بكل الطرق الدبلوماسية، في السرّ والعلن، كبح جماح الاندفاع الإماراتي ضد مصالحها الاستراتيجية، خاصة الإضرار بأمنها القومي في المنطقة المغاربيّة والساحل الإفريقي، ناهيك عن التورط في إغراقها بالمهلوسات عن طريق ميليشيات خليفة حفتر، لكن حكام “أبو ظبي” لم يفهموا الرسالة الأخويّة، معتقدين، بوهم مرضيّ، أنهم يديرون شؤون “قوة إقليمية” تملك المال والسلاح والرعاية الصهيونية الأمريكية، ما يتيح لها الحقّ المطلق للتدخل في كل مكان وفرض أجنداتهم الخاصّة، وليسقط الآخرون في جحيم الحروب والنزاعات والتوترات.
لم يفهم هؤلاء المتهورون في ساحة السياسة الدوليّة، فهم حديثُو عهد وتجربة بها، حداثة الإمارة نفسها، أنّ ما يمكن فعله في دولة ما، تحت ظروف ما، لا يمكن تكراره مع كل الدول، خاصة لما تكون قيادتها وأنظمتها الوطنية ذات روح ثورية وعمق تاريخي، لا تخضع للابتزاز ولعبة المساومات، ولا تقبل المقايضات الرخيصة على حساب مبادئها الأخلاقية ورصيدها الحضاري، ما يحيل التدخل التأثيري في ملفاتها الإقليمية إلى صدام مباشر، سيؤول حتمًا، في حال عدم التراجع إلى الحدود الإجباريّة، إلى قطيعة نهائيّة حتّى إشعار آخر، وهو السيناريو الوارد جدّا في الخلاف الجزائري الإماراتي القائم حاليًّا، لتطابقه مع المواصفات المذكورة.
ينبغي عند قراءة الأزمة الإماراتية مع الجزائر النظر في دور حكام “أبو ظبي” بالمنطقة كلها، حتى تبرز الخلفيات الحقيقية، حيث أنهم يقفون وراء كل الفتن العربيّة وحالة الاقتتال الداخلي، من اليمن إلى السودان وليبيا وقبلها سوريا، ويدفعون نحو التأزيم بالساحل وإحكام القبضة على حوض القرن الإفريقي، خاصة عن طريق شركة “موانئ دبيّ”، وهي البوابة التي فتحت للكيان الصهيوني ممرات التوسع والنفوذ.
الوضع العدواني للإمارات تجاه الأمة العربية تجاوز في استهدافه حدود المصالح المادية والسيادية لدول الجوار والإقليم القومي إلى الكيان الحضاري نفسه، بمحاولات ضرب المقدسات الدينية، وعلى رأسها عقيدة الإسلام وشريعته السمحاء، والحرب الشعواء على القضية الفلسطينية، من خلال محاصرة حركة التحرر وتيار المقاومة الجهاديّة.
ما يقوم به نظام الإمارات (ولا علاقة للسياق بموقف الشعب الشقيق) من حرب ناعمة على الإسلام، لم يعد مشروعًا خفيًّا، فهو يتبنى مسمّى “الديانة الإبراهيمية” تحت لافتات التعايش والتسامح، بينما الفكرة في جوهرها صهيونية خالصة بكل الحقائق والوثائق، فضلاً عن رعايته المالية المباشرة للأفكار الإلحاديّة والعلمانيّة والتنويريّة الزائفة، في إطار تحييد المنهج الإسلامي عن حياة المسلمين، تحت غطاء المؤسسات الأكاديميّة والفكريّة ومراكز الأبحاث المقنّعة، حيث تتولى الإنفاق بسخاء على كل الأطروحات التضليليّة وأقلامها المأجورة.
أمّا سياسته المتقدمة في التطبيع الاندماجي الكامل مع الكيان الصهيوني، وتحركه في مختلف الاتجاهات العربية والإفريقية، لفتح الطريق أمام “إسرائيل” وتمكينها من منافذ جديدة وعلاقات اقتصاديّة وتجارية ودبلوماسيّة وأمنية في مساحات ظلت مغلقة في وجهها لعقود طويلة، فهو مشروع علنيّ لا يحتاج إلى إثباتات أو تفصيل، مقابل دعم، على المكشوف، للاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين وملاحقة أبطال غزة فوق الميدان، خاصة خلال معركة “طوفان الأقصى”، موازاة مع محاولات تطويق الدول الرافضة للهرولة نحو الخيانة والارتباط العضوي بالكيان الإسرائيلي، الجزائر نموذجًا.
قد يقول قائل مرتاب: ما مصلحة نظام الإمارات من كل هذه الأدوار المناقضة لمحيطها العربي الإسلامي، والتي تضعها في حالة صدام بيْني واصطفاف غير مبرّر مع عدو طبيعي وتقليدي للأمة كلها؟الجواب على مثل هذا التساؤل يعيد صاحبه إلى بداية قصة “الازدهار” المصطنع للإمارات من طرف النظام العالمي، ضمن مخطط مسبق لتأهيلها وظيفيًّا في المنطقة، إذ أنّ عملية إحصائية بسيطة عن ارتباط الاقتصاد الإماراتي، مثلا، بالشركات ورؤوس الأموال الصهيونيّة في كافة القطاعات، وعلى رأسها الصناعة والخدمات المالية والسياحة، ستكون دليلاً واضحًا على العلاقة الوظيفية بين الطرفين.
لذلك ما تؤديه إمارة الشرّ اليوم من ممارسات غير منسجمة تمامًا مع وجودها الجغرافي والتاريخي والحضاري، ليس سوى املاءات صهيونيّة وأدوار مطلوبة بالوكالة، في إطار المكافأة عن السند العالمي والحماية الخارجيّة، زيادة على التفكير المصلحي المستغرق في البراغماتية الضيقة، أين تتصدر المصالح الخاصة قبل كل الاعتبارات، لكنها مرحلة مؤقتة من جنون الدويلة الصغيرة ستنتهي إلى السقوط التلقائي، لأنها معاكسة لمنطق الأشياء وسنن الاجتماع الكوني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك