غزة- «القدس العربي»: منذ أربعة أشهر، وُقّعت ما عُرفت بـ«هدنة ترامب»، بوصفها مدخلًا إلى «مرحلة ثانية» يفترض أن تُطفئ ما تبقى من نارٍ في غزة.
لكن في شرق المدينة، حيث يتقاطع شارع الشعف مع شارع صلاح الدين، لا تبدو الهدنة سوى حبرٍ جفّ على ورق بعيد.
هنا، عند ما يسمّيه الناس «الخط الأصفر»، تتقدّم الدبابات أمتارًا كل يوم، وتتسلل ميليشيات «أبو شباب» إلى الأزقة، فيما يبقى السكان بين خيارين أحلاهما مرّ: النزوح المتكرر أو التشبث بما تبقى من بيتٍ وجدار.
في هذه المنطقة، يتجاور الرعب مع العناد، والخوف مع الإصرار على البقاء.
الأهالي الذين سمعوا خطابات عن وقف إطلاق نار، وعن مراحل وصفقات، لم يروا سوى الطائرات الحربية من طراز «F-16» تحوم، والروبوتات المتفجرة تُدفع إلى الأمام، والقناصة ينتشرون فوق أسطح البنايات.
كل ذلك يحدث في ظل هدنة يفترض أنها دخلت شهرها الرابع.
التصعيد لم يتوقف، بل اتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا.
فإلى جانب جيش الاحتلال الذي يخترق «الخط الأصفر» تدريجيًا، تظهر ميليشيات «أبو شباب» في مشهدٍ ملتبس، تقتحم المنازل والخيام، وتعتدي على الحُرمات، وتبث الخوف في نفوس من تبقّى.
المنطقة التي كانت يومًا مكتظة بالسكان، تحوّلت إلى فسحة خرابٍ تحرسها الدبابات.
ومع ذلك، لا تزال عائلات قليلة ترفض الرحيل.
تقول إن النزوح لم يعد يحمي أحدًا، وإن الموت لا عنوان له في غزة.
بين هؤلاء، راني التتر، وأحمد علاء الدين، وخالد سعيد.
كل منهم يروي فصلًا من حكاية الثبات شرق المدينة.
في تقاطع شارع الشعف مع شارع صلاح الدين، في حي التفاح شرقي مدينة غزة، يقف راني التتر أمام منزله الذي لم يغادره قط.
يقول لـ«القدس العربي»: «أنا مقيم في هذا المكان ولم أغادره.
على الرغم مما يُشاع عن وقف إطلاق النار، إلا أننا لم نشهد ذلك؛ فالقصف مستمر يوميًا بكافة أشكاله، سواء من المدفعية أو عبر الطائرات الحربية من طراز F-16، بالإضافة إلى عمليات التفخيخ واستخدام الروبوتات المتفجرة التي يدفع بها الاحتلال».
يتحدث راني بصوتٍ متماسك، رغم أن الرصاص لا يبتعد كثيرًا.
«نحن باقون هنا في منزلنا، ولن ننزح عنه مهما كانت الظروف ومهما بلغت التضحيات.
الوضع هنا غاية في الصعوبة والخطورة على حياة جميع المواطنين المتواجدين»، يقول، مضيفًا: «لقد تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف لإطلاق النار، لكننا على أرض الواقع لم نرَ شيئًا.
في كل يوم تقتحم المنطقة ميلشيات أبو شباب وقوات جيش الاحتلال، والقصف لا يتوقف مستهدفًا المدنيين، مما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى بشكل دائم».
من خلفه، كما يصف، يتمركز شارع صلاح الدين ومنطقة «السنافور»، حيث «تنتشر الدبابات، ويعتلي القناصة أسطح البنايات في الجهة الشرقية من الشارع».
المنطقة بأكملها، بحسب قوله، «تعيش حالة من الرعب والخوف الدائم».
لا يتحدث عن خوفٍ عابر، بل عن قلقٍ مقيم في تفاصيل اليوم: في حركة الأطفال، وفي فتح النوافذ، وفي إشعال ضوءٍ بعد الغروب.
ويستعيد راني ما جرى قبل أيام: «وصلوا إلى محيط جامع القعقاع وأمهلوا السكان حتى الساعة الثانية عشرة لإخلاء منازلهم بالكامل، وبالفعل اضطر الجميع للمغادرة.
هذا هو الواقع الذي يتحدث عن نفسه؛ فنحن لا نلمس أي أثر لما يسمى المرحلة الثانية التي تحدث عنها ترامب.
الوضع لم يتغير منذ إعلانه، بل يزداد سوءًا».
ثم يختصر موقفه بسؤال استنكاري: «إذا كان هذا وقفًا لإطلاق النار، فكيف تكون الحرب؟ ».
أمتار من النار… بين الاحتلال أبو شباب.
على مقربة من روضة البشير في منطقة الشعف، تبدو آثار التوغل واضحة: منازل سُويت بالأرض، وأخرى نصفها قائم ونصفها ركام.
هنا، يروي أحمد علاء الدين قصته، مسبوقةً بمشهدٍ يومي من الاقتحامات وإطلاق النار والاعتداءات.
يقول لـ«القدس العربي»: «دُمّر منزلي منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، ومع توغل الجيش هُدمت بيوتنا جميعًا.
صبرنا واحتسبنا أملًا في فرج قريب، ثم ظهرت لنا مسألة الخط الأصفر؛ حيث هُجّرنا من منازلنا وأقمنا عند ذلك الخط، لكن الجيش كان يتقدم يوميًا بمقدار مائة أو مائتي متر حتى وصل إلى شارع صلاح الدين».
لم يكن «الخط الأصفر» سوى محطة نزوح جديدة.
«نحن الآن مشرّدون في الشوارع بلا مأوى.
كنا نأمل خيرًا في الحديث عن الصفقة الثانية أو ما يسمى المرحلة الثانية، لكن للأسف الوضع يزداد سوءًا»، يقول علاء الدين، قبل أن يوجّه نداءً مفتوحًا: «نناشد المسؤولين والوسطاء وكل العالم أن ينظروا إلينا بعين الرحمة».
يستعرض أحمد خريطة نزوحه المتكرر كأنها سيرة ذاتية للحرب: «نزحت أكثر من عشر مرات.
بيتي في الشعف قُصف في بداية الحرب، ثم نزحت إلى منطقة النخل وقُصفت أيضًا، ثم إلى مجمع حيفا الطبي وتكرر القصف، والآن ها هو الجيش يقتحم المنطقة من جديد».
بين محطة وأخرى، كان يفقد أقارب وأصدقاء.
«فقدت إخواني وأهلي الذين استشهدوا، ولم يبقَ منهم سوى ثلاثة».
الاقتحامات لا تقتصر على الجيش، كما يؤكد.
«بالأمس دخلت قوات الاحتلال علينا فجأة في شارع كُريّم وأطلقوا النار بكثافة واعتدوا علينا بالضرب، كما اقتحمت ميليشيات أبو شباب المكان عدة مرات دون سابق إنذار وقاموا بإخراج النساء والفتيات».
يتوقف لحظة، ثم يضيف: «لولا ستر الله لفقدت أبنائي».
ويشير إلى أن الجيش «يتواجد الآن على بُعد 150 مترًا فقط، والآليات والدبابات والقوات الخاصة في الشارع الخلفي، يقومون بعمليات تجريف بحجة البحث عن أسرى في المقبرة، ويدّعون أن هذه هي المرحلة الثانية، وهي في الحقيقة أسوأ مرحلة نمر بها».
في خيمته المؤقتة، لا يملك محمد أفرشة ولا أغطية.
«لا أستطيع توفير لقمة العيش لأبنائي، حتى ثمن الخبز لا يتوفر لدي.
أنا أعيل أيتامًا لثلاث أسر من الشهداء ولا أجد ما أطعمهم به.
ارحمونا، فقد ضاقت بنا سبل الحياة».
كلماته لا تبحث عن شفقة بقدر ما تبحث عن اعترافٍ بأن الهدنة المعلنة لم توقف شيئًا من معاناتهم.
بلا ماء ولا كهرباء… «السنافور» بين نارين.
في منطقة السنافور، على شارع صلاح الدين، يقف خالد سعيد على مسافة لا تتجاوز 150 مترًا من تمركز الجيش.
خلفه ركام، وأمامه آليات عسكرية تظهر في الجهة الشرقية من الشارع.
يقول: «المنطقة مدمرة بالكامل، ونعاني يوميًا من ويلات ممارسات مجموعات أبو شباب واعتداءات الجيش».
يصف خالد خلال حديثه لـ«القدس العربي» حياةً منزوعًا منها كل شيء: «نعيش بلا مياه، وبلا كهرباء، وبلا أدنى مقومات الحياة البشرية.
هذه ليست حياة».
معظم السكان نزحوا، ولم يتبقَّ إلا قلة قليلة من العائلات التي قررت البقاء، إما لعجزٍ عن الرحيل أو لاقتناعٍ بأن كل الأماكن باتت سواء.
وبينما يتحدث، «تحلق الطائرات المسيرة كواد كابتر والطائرات الحربية فوق رؤوسنا مباشرة»، كما يقول.
«الآليات العسكرية تتمركز على بُعد مائة متر فقط.
الوضع صعب للغاية، ولا يمكن لأي إنسان أن يتحمل هذه الظروف».
ثم يختم بعبارة تختصر شعور المنطقة: «نحن عالقون بين نارين، ولا أحد يسمع».
بلدية غزة: «لا نستطيع تقديم الخدمات».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك