في الـ27 من فبراير/شباط الحالي، تُتمّ سلسلة بوكيمون ثلاثين عاماً على إطلاق ألعابها الأولى في اليابان عام 1996.
ومع اقتراب هذه المناسبة، يظهر بوكيمون حدثاً اقتصادياً هائلاً، فاحتفالاته هي مرحلة إنتاجية كاملة تمتد على أشهر وتشمل ألعاباً جديدة وتحديثات رقمية ومنتجات استهلاكية ومساحات ترفيهية مادية.
مع مطلع العام الحالي، تزامنت فعاليات موسمية داخل ألعاب مثل Pokémon GO (بوكيمون غو)، وإعلانات عن إصدارات منُتظرة على أجهزة نينتندو الحديثة، إلى جانب افتتاح أول متنزه ترفيهي دائم لبوكيمون في طوكيو في فبراير 2026، في خطوة هي الأبرز في تاريخ العلامة خارج الوسائط الرقمية.
هذا التراكم في الإنتاجات، يظهر بوصفه آليةً لإعادة تثبيت حضور بوكيمون مع دخولها عقده الرابع، وليس مجرّد احتفالات كبرى.
تتوزّع مظاهر الاحتفال عبر بوابات متعدّدة: فعاليات خاصة بالاحتفالية في لعبة بوكيمون غو، ومجلدات مانغا، ومتنزه يقدّم تجربة ميدانية، وأعمال بصرية تُضاف إلى الأرشيف العام للسلسلة، وبالطبع بطاقات جديدة.
يمثّل بوكيمون واحداً من أطول المشاريع الثقافية عمراً في مجال الترفيه المعاصر.
بدأ لعبةَ فيديو في تسعينيّات القرن الماضي، ثم توسّع ليشمل الرسوم المتحركة، والبطاقات، والأفلام، والمجسّمات، قبل أن يتحوّل إلى عالم متعدد الوسائط.
هذا الامتداد لم يُبنَ على حبكة واحدة أو بطل ثابت، بل على فكرة قابلة للتكرار، تتمثّل في علاقة مستمرة مع كائنات تُجمع، وتُرافق، وتستخدم للقتال اللعبي.
مع هذا النموذج، أصبحت الاستمرارية جزءاً من بنية العالم نفسه، وليست نتيجة لتصعيد سردي متواصل.
على مستوى الأنمي، تابع الجمهور على مدار نحو 25 موسماً رحلة شخصية واحدة هي آش كيتشوم، قبل أن تُختتم هذه الرحلة رسمياً عام 2023.
غير أنّ نهاية هذه الشخصية لم تعنِ نهاية السلسلة، بل انتقالها إلى مرحلة جديدة بشخصيات مختلفة، ما يؤكّد أن بوكيمون لا يرتبط ببطل بعينه، بل بعالم قابل لإعادة التفعيل المستمر.
أما على مستوى الكائنات نفسها، فقد تجاوز عدد البوكيمونات الرسمية الألف كائن، بحسب الإصدارات المعتمدة حتّى عام 2024، مع إضافة أجيال جديدة من دون إلغاء السابقة.
لعلّ بوكيمون أحد أنجح الامتيازات الثقافية في العالم اقتصادياً.
فبحسب بيانات Statista حتى عام 2023، تجاوزت الإيرادات التراكمية للسلسلة 90 مليار دولار أميركي.
اللافت أنّ الجزء الأكبر من هذه الإيرادات لا يأتي من الأنمي أو الأفلام، بل من المنتجات التجارية المرتبطة بالشخصيات مثل المجسمات وبطاقات اللعب.
لم يعد بوكيمون بعد أعوام من صدور لعبته والأنمي الخاص به مجرد رسوم متحركة أو لعبة قديمة، وإنما أصبح نظاماً ثقافياً اقتصادياً يستطيع أن يشمل كل ما يمكن استهلاكه.
قبل الوصول إلى الذكرى الثلاثين، كان امتياز بوكيمون يعمل على توسيع خطوط الإنتاج المادي خلال الفترة الممتدة بين أواخر 2025 وبدايات 2026.
فالمجموعات الجديدة التي طرحتها متاجر Pokémon Center تركّز على إدخال الشخصيات إلى تفاصيل الحياة اليومية، عبر دمى وبطانيات ووسائد ووإكسسوارات منزلية وملابس تُستخدم داخل الفضاء الشخصي.
تظهر البوكيمونات في هذه التصاميم في لحظات سكون واسترخاء، جالسة أو نائمة أو مندمجة في مشاهد معيشية بسيطة، بما يضعها في سياق مختلف عن الصور المرتبطة بالقتال أو الحركة السريعة.
أما أبرز التحديثات في هذا السياق، فكانت قبل ذلك بعامين في أنمي Pokémon Concierge الصادر عام 2023، واستخدم تقنية الستوب موشن وقدّم البوكيمونات ضمن فضاء يومي هادئ، يتمحور حول الرعاية والعيش المشترك.
الأنمي الذي يظهر بوكيمونات تشبه المجسمات أكثر من صورتها المعتادة ثنائية الأبعاد في الأنمي، استطاع أن يمهد بصرياً وثقافياً لهذا التحول، عبر ترسيخ صورة البوكيمون أليفاً يمكن مرافقته في تفاصيل الحياة، وليس متابعته على الشاشة فحسب.
كما يشكّل افتتاح PokéPark Kanto في طوكيو خطوة كبرى نحو تثبيت بوكيمون فضاءً يمكن زيارته ومعايشته.
المتنزه، المصمم غابةً يمكن المشي فيها، تضم مئات المجسمات بالحجم الطبيعي، ويقدّم تجربة قائمة على الاستكشاف والوجود الجسدي داخل العالم، أكثر من اعتماده على الألعاب السريعة أو العروض الصاخبة.
هذه التجربة تضيف بعداً جديداً إلى دورة الاستهلاك، إذ يتحوّل التفاعل مع العلامة إلى نشاط سياحي وعائلي قابل للتكرار.
تلتقي هذه الخيارات الإنتاجية في نقطة واحدة تتعلّق بإعادة تنظيم العلاقة مع الجمهور الذي كبر مع السلسلة.
فمع مرور ثلاثة عقود، بات هذا الجمهور يتعامل مع بوكيمون عالماً مستمراً يمكن العودة إليه بطرق مختلفة، من دون الحاجة إلى متابعة سردية متواصلة أو انتظار أحداث كبرى.
حين تُصمَّم المنتجات للاستخدام اليومي، وحين تُقدَّم الأعمال البصرية بإيقاع هادئ وقابل للتكرار، يتحوّل الاقتناء والمشاهدة إلى ممارسات متداخلة مع الروتين، بدل ارتباطها بلحظة احتفالية عابرة.
مع دخوله العقد الرابع، يوضّح هذا المسار كيف تُدار الاستمرارية الاقتصادية لبوكيمون من خلال تراكم أشكال الحضور.
المنتجات المادية تُبقي الشخصيات قريبة، والأعمال البصرية تعيد تفعيل الألفة، فيما تتكامل هذه العناصر داخل دورة واحدة طويلة الأمد، تُراكم القيمة عبر التكرار والقرب، ليكون بوكيمون، مهما كان شكله، رفيقاً للإنسان، وليس رفيق شخصية خيالية.
هذا التوزيع الوسائطي في بوكيمون، لا يستهدف تنويع الجمهور فحسب، إنما تنويع أشكال العلاقة نفسها.
فالمتابعة المنتظمة للأنمي ليست شرطاً للاحتفاظ بعلاقة مع السلسلة، كما أن الانخراط في اللعب التنافسي ليس المسار الوحيد للتفاعل.
هذا التنويع يسمح ببقاء العلاقة مفتوحة أمام جمهور واسع، يكبر معه ويتكيّف مع مزاجه.
يقدم بوكيمون مثالاً على عالم تُدار علاقته مع الجمهور بعناية، عبر توزيع الأدوار بين الوسائط المختلفة.
هذا التوزيع يهيّئ الأرضية للانتقال من السرد إلى السوق، إذ تتحوّل العلاقة العاطفية إلى طلب مستمر على منتجات مادية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك