كان بإمكان الروائية اللبنانية نجوى بركات في روايتها الأخيرة «غيبة مي» أن تستهلّ نصّها ببيت المتنبي: «وَإِذا الشَّيخُ قالَ أُفٍّ فَما.
مَلَّ حَياةً وَإِنَّما الضَّعفَ مَلّا»، فثيمة الرواية الأساسية الشيخوخة وتداعياتها، لكنها اختارت بيتا آخر للمتنبي يقول فيه: «وَالهَجرُ أَقتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ.
أَنا الغَريقُ فَما خَوفي مِنَ البَلَلِ»، الذي يبدو للوهلة الأولى واهيَ الصّلة بالكتاب، ولكن حين ننهي الرواية – الصادرة عن دار الآداب قبل سنة، والواصلة إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الحالية – نجد في بيت المتنبي تلخيصا مواربا لحياة امرأة لم يعد لديها ما تفقده أو تتحسر عليه، فما تعيشه في داخلها أقتل – بتعبير المتنبي- مما تراقبه من برجها العاجي في شقتها البيروتية العالية.
نشعر بأن لا شيء على ما يرام ابتداء من لوحة الغلاف الرمادية بمنظر الصالون الفارغ من صاحبته، تحتله قطة في مفارقة توحي بحضور الثانوي وغياب الأصيل.
وعلى الغلاف العنوان المحيّر «غيبة مي»، ولكننا حين نتورط في النص نجدها غيبات ذات طبقات متعددة: غيبة ذهنية تمثلها بداية الخرف، وغيبة فعلية باعتزال بطلة الرواية في بيتها، وغيبة روحية هي اغتراب وجودي حقيقي، وغيبة وطن بيد أبنائه قبل أعدائه.
أما «مي»، فلستُ على يقين إن كانت نجوى بركات تعمّدت الإيماء بطرف خفيّ إلى مواطنتها الأديبة مي زيادة، فما يجمع بين (الميَّيْن) زيادة عن الاسم المشترك، أن كلتيهما كانت نزيلة العصفورية (مستشفى الأمراض العقلية).
فمن هي «مي نجار» الغائبة/ الحاضرة التي روت لنا نجوى سيرتها وكأنها تعرفها شخصيا وراقبتها بدقة لسنين طويلة؟لتروي لنا نجوى حديث «مي»، قسمت نصها إلى فصول ثلاثة غير متناسبة الحجم، فالفصل الأول يحتل نصف الرواية (126 صفحة) بعنوان «مي» عن الشخصية الأساسية في غروب حياتها، بينما يمتد الفصل الثاني المعنون بـ»هي» على مساحة 64 صفحة مخصصة لإعطائنا مفاتيح الأبواب المغلقة في الفصل الأول، وإن كان هذا الفصل الثاني متأخرا مكانا في ترتيب الرواية فهو متقدم زمانا نتعرف فيه على «مي» في شبابها، لتنهي بركات روايتها بفصل قصير سريع الإيقاع من 30 صفحة، بعنوان «يوسف» يتغير فيه السارد، ونتعرف فيه على مآلاتِ شخصيةٍ انشطرت نصفين، روت لنا فسيفساء حياتها، فجمعناها في أذهاننا مثل لوحة مكونة من قطع بازل تكشّفت عن داء لا علاج له اسمه: الشيخوخة.
«غيبة مي» حكاية امرأة في الرابعة والثمانين من عمرها، تسكن وحيدة في شقة واسعة في الطابق التاسع بعد وفاة زوجها وهجرة ابنيها التوأمين إلى أمريكا، يلبي طلباتها يوسف ناطور بنايتها السوري، وتنظف بيتها وتحممها وتطبخ لها أسبوعيا شاميلي الخادمة السيريلانكية، وقطة من دون اسم فرضت نفسها عليها فاتفقت معها على مساكنة متباعدة.
وكان لأيام المرأة العجوز أن تمضي رتيبة تجتر فيها وحدتها وتسامر شيخوختها، لولا صوت مجهول يناديها باسمها في بيتها، اتخذته نجوى بركات محفّزا لتداعٍ حرٍّ للذكريات، رسمت من خلاله مع توالي الصفحات بورتريه مشوّقا – بخلاف ما نعتقده من ضجر يغلف حياة العجّز- فنتعرف من خلاله على ما يثير اهتمامنا، ويشدنا إلى هذه الثمانينية، التي تخلت عن أمومتها باكرا نتيجة عطب عاطفي كلفها سبع سنوات في العصفورية، وتبرر هذا التخلي عن الأمومة بقولها «يقال إن الأمومة تبث في المرأة قوة وطاقة تمكنانها من تحريك جبال.
أنا شخصياً لم يقوّني مجيء ابنيّ التوأمين، بل كأن امرأة أخرى هي من حملتْ بهما وأنجبتهما»، وهذه العلاقة الفاترة بابنيها اللذين لم يزوراها منذ هاجرا، وإن لم يتخليا عن واجباتهما المادية نحوها، جعلها ترفض وصايتهما وتقاوم تدخلهما في حياتها، حين يكلفان الناطور بالاهتمام بها، فترى أنهما «يتصرفان وكأنهما قادران على تحريك أمور حياتها من بعيد، وكأنهما جالسان أمام لوحة إلكترونية في معملهما يوزعان بواسطة أزرارها أوامرهما، وكأنهما وليّا أمرها»، وهي التي اعتادت أن تعيش بمفردها لا أصدقاء ولا جيران ولا علاقات اجتماعية، ولا حتى ماض تؤنسها ذكرياتُه، فبداية الخرف وفقدان جزئي للذاكرة، لم يتركا لها صديقا، فدخلت حالة من التخلي عن كل شيء ومن التخفف الكامل «أنا لا أؤمن بالملائكة، ولا أؤمن بالجحيم، وأكاد أقول إني لا أؤمن بشيء، وجلّ أمنيتي هي أن أحيا كفِجلة أو كلب»، لذلك امتنعت عن أي محاولة أو رغبة في التورط العاطفي أو الاجتماعي، ولو مع قطة فرضت عليها، فأبعدتها إلى ركن قصيّ من شرفتها الواسعة.
هي راضية عن قدرها مكتفية به فلا شكوى مثلما تعوّدنا من كبار السن، ولا حقد تحمله لأي أحد تخلى عنها.
ترسم لنا نجوى بركات صورة مؤثرة للشيخوخة، وهي تبني شخصيتها الرئيسية، الشيخوخة التي نطلق على المتلبسين بها وصف «عجائز»، بسبب عجزهم عن أداء أفعال بديهية تافهة، حيث يميلون إلى الثبات فـ»مي» مثلا تقول عن نفسها «أنا لا أرفع السجاد وأبقي بيتي وأثاثه على حاله في كل الفصول، كسلا وإنما أيضا مقاومة لكل تغيير»، وهي مدركة تماما أن «العجائز بصفة عامة لا يحبون الجديد، بل ما تلف مثلهم واعتادوه، العتيق أنيس ومطواع، أما الجديد فقاس وعدواني»، وهم لا يحبون الاغتسال لا كرها في النظافة، بل لأنه يضعهم وجها لوجه مع أجسامهم التي عاث فيها الزمن فسادا فترهلت وارتخت وتشوهت، الاغتسال بتعبير مي «يعرينا ويرينا ما آلت إليه أعضاؤنا من خراب، يفضحنا ويظهر عجزنا عن استخدام أطرافنا»، ومثل ذلك النوم الذي يصبح مقنّنا لا يتجاوز أربع ساعات كحال الكهرباء في لبنان، والأخطر من كل هذا أن الشيخوخة تجعل صاحبها أشبه بالبلد المحتل، منتهكا حتى في خصوصياته من الآخرين لأنه يعتمد عليهم، وهذا ما اشتكت منه الروائية إيزابيل الليندي حين قالت مرة بمرارة «ماذا فقدت في العقود الأخيرة؟ أشخاصا، بالطبع، وأماكن، والطاقة المتدفقة في شبابي، وأنا أبدأ في فقدان استقلاليتي، وهذا يخيفني! ».
وإذا كانت الشيخوخة ثيمة الرواية الأساسية، نجد بالتوازي معها ثيمات لا تقل أهمية كموضوعات الذاكرة والحب السام، الذي عاشته «مي» مع مخرج مسرحي مقامر مختل أوصلها إلى حافة الانتحار حينا، وإلى حافة ارتكاب جريمة قتل حينا آخر، ونتيجة هذه العلاقة المرَضية قضت زهرة شبابها في مصحة للأمراض العقلية، بعد أن فقدت جنينها ومستقبلها الفني واتزانها النفسي، فهذا النوع من الحب الذي عاشته «من صنف المخدرات، بل هو أسوأها على الإطلاق، لا مراكز لعلاجه، لا أدوية، لا شيء».
وقد أجادت نجوى بركات الربط بين مي وحيّزها المكاني بمستوياته الثلاثة: الصغير أي شقتها في الطابق التاسع، التي تطل على العابرين والشوارع من فوق، فجعلت مسافة طبقية بينها وبين من حولها، مثل ناطور البناية التي قالت عنه في لحظة تعجرف «هو مجرد ناطور وأنا الست مي»، لكن حينما خرجت من شرنقتها ونزلت إلى الشارع معه اكتشفت أنه إنسان من لحم ودم يعيش مأساته الخاصة بصبر وصمت، وحينها كما قالت «آلمتني حاله ووعدت نفسي أن أكون من الآن فصاعدا لطيفة معه فأرأف به ما استطعت ولا أحرجه بطباعي ولا أتنمر عليه».
أما المستوى الثاني الكبير فهو بيروت المدينة التي تتشابه معها الست مي من البدايات المتألقة إلى النهايات الموجعة، ففي الستينيات كانت بيروت ست الدنيا وجنة الحالمين، المطابع تدفع بآلاف الكتب والأفلام تصور في شواطئها وجبالها، وكل تجربة طليعية تجد في مسارحها محضنا، وكذلك كانت مي نجار ممثلة وكاتبة مسرحية موهوبة، متخصصة في أدوار المعطوبات من الحب مثل فيدرا في مسرحية راسين، وحينما بدأت الممثلة الواعدة مسارها التنازلي، كان ذلك حال المدينة أيضا، فأصبحت مدينة «تخلعت أوصالها بين وضوح مقرف وعتمة قميئة».
وآخر مستوى ربطت فيه نجوى بركات بين مي ولبنان كله، فهذا البلد على حد وصفها فيه جمال كثير «جمال صارخ حدّ الأذيّة حدّ الفجور، لدرجة أغضبت إلها ما فقام بمسخه، أو بإنزال لعنة أزلية به» تجلت في انفجار مرفئه (ثالث انفجار غير نووي في العالم) وسرقةِ مصارفِه عرقَ اللبنانيين وسهرَ عيونهم فتبخرت أموال المودعين، حتى انتفض اللبنانيون على واقعهم و»صارت المكنسة ذات القبضة الطويلة في أيديهم شعار المرحلة، وبات كنس الكل مطلوباً، بل ضرورة للاستمرار في العيش» ولكن أجهضت ثورتهم بتحالف السلطة والمال، وهما توأم سيامي منذ وجدا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك