يكفي للتأكد من قرب شهر رمضان في الجزائر ـ قد يشمل الأمر عديد الدول العربية والإسلامية ـ معاينة ما تحتجزه قوات الأمن المختلفة على الحدود الغربية والجنوبية للجزائر، من كميات مهولة من المخدرات والمؤثرات العقلية الصناعية الأخرى، التي تعرف انتعاشا واضحا، أسابيع قبل قرب الإعلان عن شهر رمضان كمؤشر على ارتفاع منسوب الطلب الاجتماعي، خلال هذه الفترة بالذات على هذه المواد المخدرة، الجديد البارز خلال السنوات الأخيرة يتمثل في ظهور المخدرات الصلبة -الكوكايين- كمؤشر على تنوع في الاستهلاك تعرفه السوق الجزائرية، ودليل إضافي على تنوع الطلب الاجتماعي بدخول فئات ميسورة إلى هذه السوق.
النشيطة طول أيام السنة.
محجوزات عوضت ليلة الشك، بالروحانية الجميلة المرتبطة بها التي تعود عليها المجتمع الجزائري، وهو ينتظر رؤية هلال شهر رمضان بالطرق التقليدية المعتمدة على العين المجردة.
بدل الاعتماد على الحسابات الفلكية، كما ساد عند أبناء المذهب المالكي في المنطقة المغاربية.
لحظة حولتها العادات الاجتماعية إلى احتفال يشارك فيه الصغير قبل الكبير، خلال الأيام الأخيرة من شهر شعبان.
في مجتمع منح صيام رمضان قيمة اجتماعية كبيرة، استعمله للتميز عن المجتمع الأوروبي، كما يظهر بجلاء في الحالة الجزائرية المعروفة بطابع الاستعمار الاستيطاني، الذي عاشته لمدة أكثر من قرن.
استعمل فيها صيام رمضان بطابعه الجماعي كوسيلة جماعية للتميز عن المجتمع الكولونيالي، جعله يعرف نوعا من الإكراه الاجتماعي، عوض غياب مؤسسات الدولة الوطنية خلال هذه الفترة الاستعمارية الطويلة.
ارتباط استهلاك المخدرات بالشباب، يصعّب من عملية محاصرة هذه الآفة والقضاء عليها، على المدى القصير والمتوسط، كما تؤكدها المعطيات الرقمية، التي توفرها المؤسسات الوطنية.
ليزيد التجانس الديني الذي يميز المجتمع الجزائري، في منح حضور أكبر لسطوة المجتمع في ممارسة هذه العبادة الدينية، التي يستعد لها الجزائري أياما قبل رؤية هلال رمضان، بتركيز واضح على الاستهلاك اليومي المادي، يزداد الطلب فيه على الكثير من المواد الاستهلاكية اليومية، لدرجة خلق ندرة مؤقتة واضطراب في نظام التسويق لغاية السنوات الأخيرة، التي عرفت تحسنا في الإنتاج الفلاحي ووفرة واضحة في الإنتاج، إذا استثنيا اللحوم بنوعيها الحمراء والبيضاء، التي فشلت الجزائر في تلبية الطلب عليها طول أيام السنة، وليس شهر رمضان فقط، ما جعلها تتجه نحو السوق الدولية لتلبية حاجيات المواطنين، التي ترتفع خلال هذا الشهر.
عكس التوقف الفجائي خلال هذا الشهر في استهلاك المسكرات، التي تعود عليها الكثير من المواطنين الجزائريين طول أيام السنة من السوائل – الخمور بكل أنواعها والبيرة ـ المنتجة محليا التي تقلصت بشكل كبير أماكن بيعها واستهلاكها العلنية في المدن الكبرى، وزادت في المقابل تلك المستترة التي تفرضها قيم النفاق الاجتماعي، التي تبنتها مؤسسات الدولة الوطنية وساندها جزء كبير من الرأي العام، ارتفعت فيه أسعار هذه المنتوجات الاستهلاكية المحلية التي تنتجها المؤسسات الخاصة، وتلك التابعة للدولة الوطنية ذاتها، التي تملك تجربة تاريخية طويلة في إنتاج هذه المسكرات المعتمدة على زراعة الكروم، التي عرفت بها الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، استمرت لغاية اليوم، حتى وهي تتقلص في السنوات الأولى للاستقلال، بل يتقلص بيعها في الكثير المدن الداخلية خارج المؤسسات الفندقية.
ونقاط البيع غير الرسمية، التي توسعت وارتفعت أسعارها بشكل واضح بعد هذا المنع.
مقابل هذا التضييق الذي يمارسه المجتمع والدولة الحاضرة في محاصرة استهلاك الخمور بين المواطنين، تصل خلال شهر رمضان إلى منع كلي لا يتم التسامح معه، حتى عندما يتعلق الأمر بالأجانب ومعتنقي الديانات الأخرى، كمقيمين أو مسافرين.
نجد أنفسنا أمام تسامح كبير عندما يتعلق الأمر باستهلاك المخدرات، من كل نوع، التي يزيد الطلب عليها في شهر رمضان، حسب مؤشر كمّ المحجوزات التي تسبق شهر رمضان.
استهلال لا يتوقف بالطبع طول أيام السنة.
بكم الكوارث الاجتماعية التي يتسبب فيها، سواء تعلق الأمر بحوادث الطرق، أو العنف الاجتماعي، الذي استشرى بشكل مخيف في السنوات الأخيرة، كما يؤكده الكثير من المؤشرات والشواهد، التي لم يعد يتحرج في الكلام عنها الإعلام العمومي ومن ورائه الخطاب السياسي الرسمي، كما تعكسه ظاهرة عصابات المدن في الأحياء الجديدة، التي بنتها الدولة، وصلها العنف قبل ان تصلها قوات الأمن.
عنف مرتبط باستهلاك المخدرات، من كل نوع انتبهت له السلطات العمومية، ما جعلها تفرض شهادة عدم تعاطي المخدرات، ضمن ملف التوظيف الجديد في القطاعين العام والخاص، في المدة الأخيرة عبر مرسوم تنفيذي صادر في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وعليه توقيع الوزير الأول شخصيا في 27 يناير 2026.
لنكون أمام مفارقة من نوع آخر.
مقابل تشدد مؤسسات الدولة ومحاربتها للمخدرات، يُلاحظ الكثير من التساهل في موقف المجتمع، يعبر عنه الكثير من الفئات الاجتماعية من كل الأعمار والمواقع في يومياتها وهي تتعامل مع مستهلكي المخدرات، أثناء سهرات شهر الصيام الطويلة، بالكثير من التغاضي، الذي يمكن تفسيره ببعض الأبعاد الأنثروبولوجية ذات العلاقة مع التاريخ الجزائري، الذي ربط بين استهلاك الخمور بالأوروبي بكل الطقوس المرتبطة به – استهلاك جماعي في مكان عام.
عكس المخدرات -الكيف على وجه التحديد ـ المرتبطة بالمجتمع الأهلي وأنماط استهلاك يغلب عليها الطابع الفردي، تصعب مراقبته والتحكم فيه، ما قد يفسر التسامح الذي تعاملت معه بعض التيارات الدينية السلفية مع استهلاك المخدرات، عكس الخمور بكل أنواعها، في عز صعود الإسلام السياسي في الجزائر.
ارتباط استهلاك المخدرات بالشباب، الذي يصعّب من عملية محاصرة هذه الآفة والقضاء عليها، بعيد المنال على المدى القصير والمتوسط، كما تؤكدها المعطيات الرقمية، التي يوفرها عديد المؤسسات الوطنية، وهي تشير إلى ذلك الارتباط المخيف بين فئة الشباب واستهلاك المخدرات من كل نوع، وهي تقتحم المؤسسات التربوية، جعلت المشرع يتشدد إزاء ظاهرة بيع المخدرات بالقرب من المؤسسات التعليمية، التي يؤكد الكثير من الشواهد حضورها القوي، ليس بالنسبة للذكور، بل الإناث كذلك.
كما يتكلم عنه الكثير من المصادر الإعلامية الوطنية، التي دخلت في تنافس في السنوات الأخيرة مع الإنتاج التلفزيوني الوطني، الذي أصبح مشهورا بتقديم شخصيات «مزطولة» تتاجر بالمخدرات، تقتل وتعتدي، يتم التسويق لها كجزء أساسي من ديكور سهرات رمضان، باسم واقعية فنية وجدت صدى واسعا لدى الجمهور الواسع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك