يواجه الأمن الغذائي في ليبيا مخاطر حقيقية لأسباب عدّة، من بينها النزاعات المسلحة وإهمال البنى الأساسية لمصادر الغذاء، كما يتأثر بالتغيّرات المناخية.
تواجه ليبيا تحديات كبيرة على صعيد الأمن الغذائي، ويظل الإنتاج المحلي غير كافٍ رغم أن ليبيا تملك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وثروة حيوانية هائلة، وشاطئاً طويلاً أيضاً يسمح بتوفير ثروة سمكية.
وتعتمد الأسواق كثيراً على استيراد المواد الغذائية الأساسية بسبب تناقص الموارد المائية، وعدم اهتمام السلطات بدعم وحماية القطاعَين الحيواني والسمكي.
وتكشف بيانات رسمية لوزارات عن الثروة الحيوانية والزراعية في ليبيا أنّ مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي انخفضت إلى 2.
83% في المتوسط بين عامَي 2000 و2018.
وتشير إلى أن القدرة الإنتاجية لنسبة كبيرة من الأراضي الزراعية التي تقدّر بـ 15.
4 مليون هكتار، منها 13.
3 مليون هكتار مراعٍ، و2.
2 مليون هكتار صالحة للزراعة، تراجعت بسبب شح المياه والتصحّر.
وتشكل الصحراء نحو 80% من مساحة ليبيا، بينما صارت نسبة 10% من الأراضي الزراعية مهددة بالتصحّر.
ووسط هذه التطورات دقت حكومات ليبيا ناقوس الخطر حيال التحديات التي تواجه الأمن الغذائي.
وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس مطلع ديسمبر/ كانون الأول الماضي اعتماد" الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2025 -2035"، وأكدت أن" الأمن الغذائي أولوية وطنية قصوى باعتباره ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهذه الاستراتيجية تستجيب للتحديات الكبيرة التي تواجهها ليبيا".
وأكدت الحكومة التزامها توفير الموارد والدعم اللازم لتنفيذ هذه الاستراتيجية التي" تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، وبناء نظام غذائي مستدام"، وأوضحت أن" الاستراتيجية تتضمن 174 مشروعاً و65 برنامجاً تتوزع على أربعة محاور رئيسية، تشمل توفير الغذاء، والوصول إلى الغذاء، والإفادة من الغذاء، وتحقيق الاستقرار".
من جهتها، أعلنت حكومة مجلس النواب في بنغازي أنها ستُطلق مشروعاً زراعياً استراتيجياً ضخماً في بلدية وادي عتبة (جنوب) يهدف إلى تطوير وربط مشاريع زراعية عدّة أخرى بالمنطقة ضمن منظومة إنتاج موحّدة تضم نحو 1000 دائرة زراعية محورية، بمساحة 50 هكتاراً لكل دائرة.
وأوضحت أن هذه الأراضي ستدخل الخدمة في الموسم الزراعي 2027 - 2028 بهدف تعزيز الأمن الغذائي، ودعم التنمية الزراعية المستدامة، ولا سيّما في المناطق الصحراوية، من خلال استخدام أحدث التقنيات الزراعية العالمية.
وفي وقت يشكو مزارعون من تعرضهم لضغوط كبيرة كل موسم، يقول أحدهم ويدعى شعبان القوي، الذي كان يعمل في مشروع الأريل الزراعي جنوب ليبيا، لـ" العربي الجديد": " ترتبط المشكلات بندرة المياه وكلفة نقلها، وزحف التصحّر ونقص السماد والمعدات الزراعية الحديثة.
وقد اضطر بعض المزارعين إلى الاستمرار، لكن آخرين تركوا أراضيهم بعدما صار الإنتاج ضعيفاً"، ويلفت إلى أن" الأزمة لا تنحصر في المزارعين وحدهم، بل تمتد إلى مربي المواشي والدواجن الذين يعانون من ارتفاع تكاليف الأعلاف وكلفة نقل المياه"، ويشير إلى تغيّر كبير في مجتمعات الريف التي تعتمد على الزراعة وتربية الحيوانات.
وفي شأن الوعود التي تطلقها السلطات، مثل تنفيذ الحكومة في بنغازي مشروع وادي عتبة، وإعلان الحكومة في طرابلس استراتيجية لدعم الأمن الغذائي، يُقلل القوي من أهمية هذه الخطوات التي يعتبر أنها" تندرج في إطار وعود متكرّرة، فالحكومات لا تبحث إلّا عن مصادر للدخل السريع، بخلاف الزراعة والرعي التي تتطلب وقتاً طويلاً".
ويصف الأكاديمي وأستاذ الدراسات المناخيّة سليمان الزحاف، في حديثه لـ" العربي الجديد"، وضع الأمن الغذائي في ليبيا بأنه" مُعقّد، فالبلاد تملك مساحة زراعية واسعة تقدر بـ15.
4 مليون هكتار، لكن تلك الصالحة للزراعة فلا تتجاوز نحو 2.
2 مليون هكتار.
وفي حال تحديث البيانات ستنقص هذه المساحات أكثر، وهو ما سيحدث أيضاً في مساحات الرعي التي تُقدّر بـ 13.
3 مليون هكتار".
وهو يُرجع سبب هذه التعقيدات إلى" التغيّرات الجديدة المرتبطة بالتحوّلات المناخية التي ضربت المنطقة، ومن بينها ليبيا؛ إذ دمّرت عاصفة دانيال في 4 سبتمبر/ أيلول 2023 مساحات واسعة جداً من الجبل الأخضر تضمنت مراعيَ ومزارع".
ويتساءل الزحاف عن" قدرة الجهات الحكومية على إجراء دراسات حديثة تأخذ في الاعتبار إمكانية تحوّل مناطق صحراوية في الجنوب إلى أراضٍ قابلة للزراعة بعد مواسم الأمطار التي لم تعرفها هذه المناطق منذ نحو قرن.
وهذا مؤشر، قد يغيّر النظرة إلى ظاهرة التصحّر كلياً، ويجعل منسوب المياه المهدّد بالنضوب في الصحراء يرتفع".
ويؤكّد الزحاف" ضرورة إخضاع كل هذه العوامل للدراسة كي تستطيع الحكومات إطلاق مشاريع زراعية، مثل وادي عتية، أكبر مشروع زراعي في ليبيا، واستراتيجية الحكومة في طرابلس.
والتحوّل المناخي يعدّ التحدي الأكبر حالياً، ويجب قياس تأثيراته في ارتفاع درجات الحرارة وتغيّر مناطق هطول الأمطار، والتنوع الزراعي الذي قد يحدثه انتقال الزراعة من مكان إلى آخر بحسب تغيّر الظروف".
ويضيف: " تؤثر الأمطار والمياه أيضاً على المراعي وتنوع الثروة الحيوانية، فأنواع الحيوانات التي تعيش في مراعي الشمال قد لا تستطيع العيش في مراعي الجنوب إذا تحوّلت مؤشرات صلاحية الزراعة في الجنوب بفعل التغيّر المناخي"، ويشير إلى" مخاطر أخرى تتهدّد الثروة السمكية التي لا تزال بعيدة عن أنظار الحكومات التي تركز استراتيجياتها للأمن الغذائي على المشاريع الزراعية، لكن ماذا عن الثروة السمكية التي تعتبر من عناصر الأمن الغذائي، وتعاني من تلوث مياه البحر بسبب مخلفات المحروقات والنفط والتعدي الجائر في الصيد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك