في ميدان الملك عبدالعزيز، حيث تتسابق الخيول على جوائز الـ 38 مليون دولار، تحوّلت المعادلة التقليدية للفروسية رأسًا على عقب.
لم يعد السؤال “من الفائز باللقب؟ ”، بل “من الفائز بالأنظار؟ ”.
هذا العام، تحولت المدرجات إلى “مدرج عرض” مفتوح نافس المضمار على الجمال، حيث وقفت “الدقلة” النجدية ندًا لند أمام الخيل العربية، واشتبك حفيف “البشوت” الفاخرة مع صهيل الأبطال.
هنا، في “كأس السعودية 2026″، لم تكن المنافسة على الذهب فحسب، بل على الهوية التي ألبست الصحراء حلة من الفخامة، طارحة سؤالًا محيرًا: هل يذهب المجد لمن يقطع خط النهاية أولًا، أم لمن يخطف القلوب بأناقة الحضور؟المضمار والمدرج.
صراع الجمال حين يشتد.
لقد تحول “كأس السعودية” من ساحة للتنافس الرياضي إلى منصة ثقافية فريدة تستعيد التراث السعودي برؤية معاصرة طموحة.
وبينما كانت الخيول الجامحة تستعرض قوتها وسرعتها الفائقة على المضمار، كان الحضور في المدرجات يستعرضون تاريخًا من نوع آخر تمامًا.
“دليل الزي” الذي وضعه نادي سباقات الخيل لم يكن مجرد توصية شكلية، بل تحوّل إلى دستور للأناقة يُحترم ويُتبع، حيث تسابق الحضور لارتداء أزياء تعكس هوية المناطق السعودية المتنوعة والغنية، من “الدقلة” النجدية الأصيلة و”المحزم” الجنوبي المميز إلى التطريزات الحجازية الدقيقة التي تحكي قصص الأجداد، وفق ما ورد في الموقع الرسمي للنادي الذي خصص صفحة كاملة لقواعد الزي واللباس.
الحدث الذي انطلق يوم الجمعة 13 فبراير 2026، واستمر حتى اليوم التالي بلياليه المزدحمة، جمع بين عمق التقاليد الفروسية السعودية العريقة وأرقى مستويات الرفاهية العالمية، فقدّم تجربة استثنائية فريدة تمزج بين الإثارة الرياضية الصافية والتقاليد الأصيلة والثقافة الغنية، وتعكس أصالة الماضي بلمسة عصرية راقية.
أيقونات التراث في مواجهة الخيول الأصيلة.
وفي مشهد لافت استوقف المصورين والجمهور على حد سواء، ظهرت داليا بنت فرحان، مدونة الأزياء التراثية المعروفة، وهي تخطف الأنظار بزي أسود فاخر يجسد التراث النجراني العريق، مرتدية “البرقع” التقليدي الذي أضاف غموضًا وسحرًا خاصين، وكأنها لوحة حية تمشي بين الحشود بكل ثقة وفخر.
وفي زاوية أخرى من المدرجات، طلّت الإعلامية “مريم الناصر” بفستان مستوحى من “ليالي رفحاء” الساحرة، حيث عكست تطريزات الخزامى الرقيقة جمال الصحراء السعودية في قلب المدرجات وسط أجواء عالمية.
هذه التفاصيل الدقيقة والمتقنة في الأزياء، التي استغرق بعضها شهورًا من العمل اليدوي المتواصل، جعلت كاميرات المصورين في حيرة واضحة؛ هل يلاحقون انطلاقة الجواد الفائز نحو خط النهاية، أم يوثقون تفاصيل “بشت” مطرز بخيوط الذهب الخالص، أو “جلابية” تروي قصة يوم التأسيس المجيد بألوان العلم السعودي؟الأمير بندر بن خالد بن فيصل، المستشار بالديوان الملكي رئيس مجلس إدارة هيئة الفروسية ورئيس مجلس إدارة نادي سباقات الخيل، من جانبه، أكد أن الرعاية الكريمة والمتابعة المستمرة من سمو ولي العهد عززتا مكانة “كأس السعودية” كأحد أبرز المحطات العالمية لسباقات الخيل.
وقد أصبح هذا الحدث نقطة جذب رئيسة لكبار الملاك والمدربين والخيّالة للمشاركة في مراحله المؤهلة وصولًا إلى الأمسية الكبرى، التي تستقطب نخبة الخيل الأبطال من مختلف دول العالم.
كما أشار سموه إلى أن دور “كأس السعودية” يمتد إلى ما يتجاوز السباقات، ليصبح منصة ثقافية وتجارية تعكس هوية المملكة، ويجمع بين الأزياء والموضة، والفنون التراثية الشعبية، والحرف اليدوية، في إطار يعزز التفاعل الحضاري ويبرز ثراء المناطق السعودية وتنوعها الثقافي.
اقتصاديات الأناقة.
الرابح الأكبر.
وبعيدًا عن الجدل الجمالي والفكري، كشف المهرجان عن وجه اقتصادي جديد وواعد.
دور الأزياء المحلية ومصممو “الهوت كوتور” السعودي -آخر صيحات الموضة- وجدوا في الكأس فرصتهم الذهبية للتألق والانتشار، حيث بات ارتداء توقيع مصمم سعودي في الكأس يوازي في أهميته الاجتماعية الفوز بشوط في السباق نفسه.
وهذا الحراك الخلّاق خلق موسمًا تجاريًا مزدهرًا يوازي مواسم الأعياد في حجمه، مما يؤكد بشكل قاطع أن الاستثمار في الهوية الوطنية ليس ترفًا ثقافيًا بل رافدًا اقتصاديًا مهمًا يدعم الرؤية الوطنية.
لم تخطف الأناقة الأضواء من الخيول بالمعنى التنافسي، لكنها “تقاسمتها” في تعايش راقٍ ومتكامل.
فكما أن الجواد الأصيل يحتاج لفارس ماهر يقدّر قيمته، يحتاج الحدث العالمي الضخم لجمهور واعٍ يعي قيمة المكان والزمان ويحترم إرثه.
و”كأس السعودية 2026″ أثبت بجدارة أن الرياضة والثقافة صنوان لا يفترقان، وأن المدرجات الأنيقة بزيها التراثي هي الإطار الذهبي الذي يجعل لوحة السباق أكثر إبهارًا وجاذبية للعالم بأسره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك