إن القناعة بأن" ليس كل ما يُعرف يُقال" تمثل حجر الزاوية في صرح الوعي الإنساني، لكنها تظل هدفاً بعيد المنال لمن جعلوا من ألسنتهم معاول لهدم الودّ وإيقاد نار الفتن.
إن القدرة على كبح جماح اللسان ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل هي برهان ساطع على النضج النفسي؛ فالمرء مخبوء تحت لسانه، ومن عجز عن ترويض عضلة صغيرة في ثغره، فهو عن إدارة شئون نفسه وشخصيته أعجز.
إنه لمشهد يبعث على الأسى، أن نرى من بلغوا خريف العمر - في أربعينياتهم وخمسينياتهم- بدلاً من أن يستثمروا وقار سنهم في التأمل، والذكر، وتهذيب النفس، نراهم يغرقون في مستنقع التطفل على شئون الآخرين عبر" القيل والقال".
ولأولئك الذين وجدوا كيانهم في" النميمه"، ونموهم الشخصي في" الغيبة"، نوجه سؤالاً مباشراً: ماذا تركتم للصغار؟ ألم يحن وقت الارتقاء بالنفس بعد؟ أم أن سنوات العمر التي كان يُفترض أن تُقضى في تهذيب الروح، قد ضاعت في تتبع العثرات واختلاق الأزمات؟إن من يتغذى على" العقره" بلسانه، أو يسعى لنيل الحظوة عند طرف على حساب آلام طرف آخر، إنما يعاني من" صمخ" في ضميره يسبق أذنيه.
فلا حاجة لنا بنشر كلمات جارحة تهدف إلى إذلال الناس أو النيل من كرامتهم.
إن حامل الضغينة لا يملك فضيلة، بينما صانع السلام هو الأسمى مقاماً، حتى وإن لم يحصد من وراء ذلك مكاسب دنيوية.
بإختصار فإن العظماء ينشغلون ببناء ذواتهم، أما الصغار فلا يجدون قوتاً لهم إلا نهش سيرة من هم أسمى منهم فضلاً ومكانة.
وعلينا أن نذكر أولئك الذين يستمتعون بإيذاء الخلق بنقل الوشايات، بأن" النميمة" هي الوجه القبيح للظلم، والظلم عتمة تصيب القلب.
ما أجمل ان تخلد إلى النوم بقلب نقي، خالٍ من الأحقاد وضجيج" القال والقيل"، ذاك ضربٌ من النعيم المعجل في الدنيا.
وشتان بين من ينام وهو يحسن الظن بالناس، ومن ينام والناس يتألمون من وشاياته.
إن نقل الكلام ليس" شطاره" كما يتوهم البعض، بل هو إفلاس أخلاقي نابع من شعور بالنقص.
ولأن تنام" مظلوماً" خير ألف مرة من أن تنام" ظالماً" تقتات على أعراض الناس وتدمر مصائرهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك