في ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي يعيشها قطاع غزة، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل مصادر الدخل التقليدية، عاد التداول الرقمي ليطفو على السطح بوصفه" فرصة بديلة" يُروّج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، محاطاً بوعود الثراء السريع والأرباح المضمونة، في بيئة يختلط فيها الجهل المالي بالحاجة المعيشية.
لكن خلف هذه الواجهة اللامعة، تتكشف قصص مؤلمة لفلسطينيين وقعوا ضحايا لعمليات نصب واحتيال منظم، استخدمت أدوات رقمية حديثة ولغة اقتصادية معقدة وعروضاً مغرية، لتجميع الأموال ثم الاختفاء، تاركة خلفها خسائر مالية ونفسية واجتماعية ثقيلة.
لم يعد الحديث عن التداول الرقمي غريباً على أهالي غزة، فقد بات يتكرر في الأحاديث اليومية، وعلى صفحات مواقع التواصل، بوصفه باباً محتملاً للدخل في واقع اقتصادي خانق، غير أن هذا الحضور المتزايد لم يكن دائماً إيجابياً، إذ رافقته قصص احتيال كشفت عن وجه آخر أكثر قسوة لهذا العالم الرقمي.
ذكر الفلسطيني حسن أبو شرخ أن بدايته مع التداول الرقمي لم تكن بدافع الطمع، بل بحثاً عن فرصة لتحسين دخله في ظل انعدام البدائل.
وقال أبو شرخ لـ" العربي الجديد": " تعرفت إلى جهة عبر الإنترنت، بدت محترفة في حديثها، وقدمت نفسها على أنها تعمل في مجال التجارة الإلكترونية والتداول وأقنعتني بأنها تحقق أرباحاً ثابتة".
وأضاف: " طلب منّي المحتالون دفع 600 دولار مرحلة أولى، بعد أن عرضت عليّ نماذج ناجحة لأشخاص قيل إنهم حققوا أرباحاً كبيرة خلال فترة قصيرة، كانت هناك صور وكشوف أرباح ومحادثات مقنعة، وكلها كانت وهمية، لكنني لم أكن أعلم ذلك حينها".
المأساة لم تتوقف عند خسارته الشخصية، إذ يعترف أبو شرخ بأنه أقنع صديقه عماد خالد بالدخول في التجربة ذاتها، ما أدى إلى خسارته 450 دولاراً.
وقال: " أشعر بذنب مضاعف، خسرت مالي وخسرت ثقة صديق، واكتشفت أننا كنا ضحايا عملية احتيال منظمة".
في حين، تروي الفلسطينية سميرة حمودة، قصة الاحتيال عليها من بوابة التداول الرقمي، قائلة: " تلقيت إعلاناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن دورة مجانية في التداول الرقمي، يديرها أشخاص زعموا أن مقرهم في مصر، الدورة كانت منظمة واستمرت أسبوعين، وتحدثوا بلغة احترافية جعلتني أصدقهم".
وأضافت حمودة لـ" العربي الجديد": " بعد انتهاء الدورة، عُرض عليها البدء بالتداول مقابل إيداع 800 دولار، مع وعود بإدارة الحساب وتحقيق أرباح سريعة، ترددت في البداية، لكنهم كسبوا ثقتي تدريجياً، وتحدثوا عن أمان المنصات وضمان الأرباح".
وأكدت أن الصدمة كانت قاسية، " فبعد إرسال المبلغ، جرى حظري مباشرة، وقطع الاتصال بي على جميع المنصات، في تلك اللحظة فقط أدركت أنني وقعت في عملية نصب واحتيال، ولا يوجد أي جهة حقيقية خلف ما حدث".
في المقابل، يقدم المتداول براء الغرابلي، الذي يعمل في مجال العملات الرقمية منذ خمس سنوات، رؤية مختلفة تقوم على التحذير والتوعية، وقال الغرابلي لـ" العربي الجديد": " أي عملية تداول حقيقية يجب أن تكون فردية وشخصية، دون إرسال المال لأي جهة تتداول نيابة عنك".
وأضاف: " تجميع الأموال أو إدارة الحسابات للغير هي في الغالب المدخل الأساسي لعمليات النصب والاحتيال"، مشدداً على ضرورة أن يكون المتداول على دراية كاملة بكيفية عمل المنصات، وإدارة المخاطر، وتحديد توقيت الدخول والخروج من السوق.
وحذّر من أن التداول" سوق شديد الحساسية والمخاطر"، ولا يصلح لمن يبحث عن الربح السريع دون معرفة، مشيراً إلى أن التعلم أولاً ثم التجربة بأموال صغيرة، هو الطريق الوحيد، وأي وعود بأرباح مضمونة هي علامة خطر.
ولفت إلى أن أخطر ما في هذه العمليات هو خلط مفهوم" التداول" بمفهوم" تشغيل الأموال"، معتبراً أن هذا الخلط هو المدخل الرئيسي للاحتيال، مؤكداً أن التداول ليس وظيفة سحرية، بل عملية تعتمد على المعرفة والتحليل وإدارة المخاطر، وأي شخص يسلّم أمواله لطرف آخر ليتداول عنه يكون قد خرج عملياً من مفهوم التداول إلى دائرة المقامرة غير المحسوبة.
من جهته، أكد مصدر في وزارة الاقتصاد الوطني في غزة لـ" العربي الجديد" أن التداول الرقمي" ممنوع بالكلية"، سواء عبر شركات مسجلة، أو من خلال العمل الفردي التجميعي البدائي، قائلاً في حديث لـ" العربي الجديد" إن هذا القرار يعود إلى ارتفاع المخاطر الاستثمارية، وغياب الخبرة الكافية لدى المواطنين.
وكشف المصدر أنه قبل الحرب، جرى تسجيل ست قضايا كبرى في هذا المجال، منها حالتان لشركات لها مقرات وأماكن تدريب، وست حالات تعمل بشكل فردي تجميعي، " وبلغ إجمالي الأموال المحتال بها نحو 15 مليون دولار، وقد جرى تحويل القضايا إلى نيابة جرائم الأموال".
وأوضح أن نقطة الكشف عن المحتالين تبدأ من إجراءات تسجيل الشركات، إذ إن هذا النوع من الأنشطة يتطلب رقابة دائمة ومعرفة تفصيلية بطبيعة العمل، وهو ما كشف الجرائم قبل الحرب.
بدوره، يرى المختص في الشأن الاقتصادي، محمد بربخ، أن ظاهرة تشغيل الأموال في التداول الرقمي عادت للواجهة بصمت، محذراً من الاستثمار الهرمي المقنّع بشعارات حديثة.
وقال بربخ لـ" العربي الجديد" إن العمل الفردي الشخصي دون تجميع مالي يبقى حرية شخصية، لكن ما يحدث حالياً يتجاوز ذلك إلى عمليات منظمة تستغل الواقع الاقتصادي الصعب بعد الحرب، ما يجعل البيئة خصبة للاحتيال.
وبحسب المختص في الشأن الاقتصادي فإن عمليات النصب تقوم على ثلاث ركائز، وهي الترويج المكثف لقضية رائجة، وكسب الثقة والإيهام بالربح السريع دون خسائر، مطالباً بخطوات حكومية صارمة، إلى جانب حملات توعية وتثقيف مالي، لحماية المواطنين من الوقوع في هذه الشباك.
وأضاف بربخ: " خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في الخسائر المالية المباشرة، بل في تفكيك الثقة المجتمعية، ونشر ثقافة الربح السريع الوهمي، والكثير من هذه الجهات تعتمد على ما يعرف باقتصاد الأزمات، حيث يجري استغلال الحاجة وانعدام الدخل لتسويق مشاريع عالية المخاطر على أنها فرص إنقاذ اقتصادي".
وأشار إلى أن التداول الحقيقي بطبيعته لا يُبشر بأرباح ثابتة، ولا يعمل خارج منظومة تنظيمية واضحة، مشيراً إلى أن أي جهة تتجاوز الحديث عن الخسائر، أو تقلل من المخاطر هي جهة غير موثوقة بالضرورة.
تجدر الإشارة إلى أن ما يحدث في غزة بعد الحرب يمثل عودة صريحة لمفهوم تشغيل الأموال بواجهات رقمية حديثة، وهو الشكل الأخطر من الاستثمار الهرمي، لأنه يتخفى خلف مصطلحات تقنية يصعب على المواطن العادي التحقق منها، حسب مراقبين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك