لطالما كانت حياتي رهاناً خاسراً بامتياز؛ مقامرةً فاشلة بين دفتي كتاب وشاشة سينما.
كنتُ، بسذاجة، أظن أنني أقتفي أثر الجمال؛ أطاردُه في التفاتة عفوية لعصفور ينقر زجاج نافذتي، أو في نغمة شاردة، أو في تركيب لغوي لم يسبقني إليه إنس ولا جان.
كنتُ أكتب المقالات وكأنني" سوبر وومان" تريد ترميم العالم بالورق، أبحث عن رؤى تفتح في الجدران الصماء نوافذ من الضوء.
بينما الحقيقة أن الجدار كان ينهار فوق رأسي، وأنا منشغلة باختيار نعتٍ مناسب لوصف الغبار المتطاير! كنت أجدّف بمجداف من ورق، ظناً مني أن القراءة فعل إنقاذ، وأن الكتابة صرخة غريقة ستتحول، بقدرة قادر، إلى يابسة.
يا للعبث… كم كان خيالي واسعاً، وكم كان الواقع ضيقاً كحذاء" سندريلا" في قدم شقية!
لكن يبدو أنني أصبت أخيراً بـ" تخمة الوعي"؛ ذلك الداء الذي يحوّل الرؤية إلى عبء، ويجعل البصيرة زنزانة انفرادية.
شيء ما في داخلي انطفأ، أو ربما نضج حتى حدّ الاحتراق الكامل، حتى صرت أرفع يدي بالدعاء: يا إلهي، هبني معجزة العجز عن الكتابة.
أصبت بـ" تخمة الوعي"؛ ذلك الداء الذي يحوّل الرؤية إلى عبء، ويجعل البصيرة زنزانة انفرادية.
في هذا العالم المجذوم فكرياً، قررت العودة إلى رحم البدايات: إلى قراءة لا تطلب مني نقداً، وسينما لا تنتظر تنظيراً، وموسيقى لا تسألني: ماذا تقصدين؟ تلك التي أواجه بها عبثية الواقع حين أغني مع الحياني في لحظة يأس طَرِب:
أحقاً كما ترحل شمس هذا المساء تُرى ترحلين؟ ".
لكن الزمان، يا سي محمد، مصاب بالصمم.
وأجيبك ببرود من رأت نهايتها في مطلع الطريق: نعم، أرحل.
لأن" الحي" الذي تغني له – كما تعلم – مصاب بلعنة زامره؛ فزامر الحي لا يطربهم، وكاتبة الحي لا يقرأونها.
أدركتُ أن الوعي في مجتمعاتنا هو أسرع طريق إلى المصحّة النفسية.
لذلك قررت أن أفتتح" مستشفى ذاتياً" خاصاً جداً؛ أقرأ فيه لنفسي، وأشاهد لنفسي، وأصمت لنفسي.
لماذا ألقي بجواهر دهشتي في سوق تعجّ بباعة الكلام؟ ولماذا أهدر حروفي على ورق لقرّاء يقرأون بآذانهم، أو لجمهور لا يرى أبعد من شاشات هواتفه؟يمرّ معظم وقتي الآن مستلقية على الأريكة؛ أبحلق في السقف مرة أعدّ ذنوبي، ومرة أراقب ذبابة ضالة تبدو أكثر واقعية من كل نظريات التنوير.
لا أتحرك إلا لضرورات البيولوجيا: أكلٌ وصلاة، كأنني أمارس اعتزالاً اختيارياً في" سوق النخاسة الكلامية"، حيث تُباع الأفكار بالإعجاب وتُشترى الذمم بالمشاركة.
فليكتب من يريد أن يحرر العالم، وليستمر في صراخه من يظن أن صوته سيوقف زلزالاً.
أما أنا، فقد اكتفيت بتحرير نفسي من وهم" الرسالة"، واعتنقت دين السكون.
لقد صدق عادل كامل – رحمه الله – حين قال: " ألا ما أشق مهمة الكاتب العربي الذي قُسم له أن يولد في هذا الجيل! إن عناءه لمضاعف".
وأضيف من خلف جدران زنزانتي الاختيارية: إن عناءنا الحقيقي ليس في البحث عن كلمة تصف العالم، بل في البحث عن عالم يستحق الكلمة.
وبما أنكم تكبّدتم عناء الوصول إلى السطر الأخير في زمن السرعة والسطحية، فشكر الله سعيكم في جنازة الحروف، وعظّم الله أجركم في" وهم الظهور".
ومع أنني أعلنت اعتزالي سوق الكلام، فإنني – كالعادة – أخون صمتي لأكتب عن فضيلة الصمت، وأهجر الورق لأشرح أسباب الهجر!
لذا، يا أمة الألفاظ، لا تأخذوا كلامي على محمل الجد تماماً… فربما نلتقي في مقال الأسبوع القادم، يرمّم ما تبقى من وعيكم، ويناسب ذائقتكم، ويطبطب على خيبتكم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك