كتب د.
عبد الله علي إبراهيم عن التعليم والحرب بوصفٍ يلتقط لحظة البشر في قاعةٍ استعادت بعض ما سُلب، ولحظة الاعتراض على امتحانٍ جزئي، ولحظة السجال بين حكومةٍ ومعارضةٍ ولجنة معلمين.
نصّه يذكّرنا بأن التعليم في الحرب ليس خبراً عابراً، وأن “شايلين همومنا من الصباح” ليست أنشودة مدرسية بل صيحة وجود.
غير أنّ المقال، في انشغاله بتعقّب خصومات السياسة ومفارقاتها، يلامس سطح المأساة ولا يذهب إلى سؤالها البنيوي كيف نحوّل التعليم من مادة سجال إلى مشروع بقاء؟الاعتراض على امتحانٍ يُعقد في مناطق دون أخرى ليس تفصيلاً إدارياً.
هو سؤال عدالة.
لكن تحويله إلى ورقة في مباراة الشرعية يُبقي التعليم رهينة الخطاب.
إن كان عقد الامتحان إعلاناً عن “التمكّن”، فإن تعطيله إعلانٌ عن العجز ,وكلاهما يُفرغ المدرسة من معناها المدني.
المطلوب ليس إدانة هذا الطرف أو ذاك، بل انتزاع التعليم من قبضة الاستخدام السياسي.
أن يُعامل كحقّ بقاء يتقدّم على الدعاية، وكأداة حماية من التجنيد والعنف لا كمنصة لإثبات السيادة.
يشير المقال إلى تمترس لجنة المعلمين خلف المطالب نعم، لا كرامة لمعلّمٍ تحت خط الفقر بالرغم من قسوة هذه الحقيقة و لكن حين تختزل النقابة رسالتها في الرواتب وحدها، وتغيب عنها استراتيجية صون العملية التربوية في زمن الحرب، فإنها تسقط في مفارقة قاسية و تدافع عن المعلم وتترك المدرسة وهنا الدفاع عن الأجر واجب، لكن الدفاع عن “الاستمرارية” أوجب , لا معنى لزيادة راتبٍ في مدرسةٍ مغلقة.
المدرسة “العشة”: من صورة حزينة إلى سؤال دولة.
استثمر بعض المعارضين صورة المدرسة “العشة” لتجديد خطاب المركز والهامش.
غير أنّ المأساة أعمق من صورة هو السؤال لماذا ظل التعليم في السودان بلا فلسفة وطنية جامعة، تتجاوز القطبية بين أسلمةٍ قسرية وعلمنةٍ صدامية، وبين مركزٍ يحتكر الموارد وهامشٍ يطلب الفتات؟ هنا بيت القصيد و لسنا أمام أزمة إدارة حرب فحسب، بل أمام فراغٍ فكري طويل.
من التنين إلى النخيل لا استنساخ بل استلهام حقيقي لتجربة عظيمة.
حين نقارن بالصين، فليس المقصود استيراد نموذجها المركزي الصارم، بل استلهام قدرتها على تبيئة الأيديولوجيا والتقنية لخدمة البقاء الوطني.
ما فعله الصينيون أنهم لم يلغوا تراثهم، بل أعادوا توظيفه , أما نحن فمارسنا القطيعة مراراً مع “المسيد” و”النفير”، ومع التعدد اللغوي، ومع الاقتصاد المنتج.
فصار التعليم ساحة تمكينٍ أو ساحة خصومة، لا ساحة بناء.
نحو مانيفستو تعليمي سوداني إعلان موقف تاريخي.
الردّ العملي على السجال هو “مانيفستو” لا يُكتب في صالونٍ ولا يُقرأ في مناظرة، بل يُصاغ من معسكرات النزوح ومن مدارس الأقاليم:
المدرسة ملاذ مدني – في مناطق النزاع تُقدَّم على التسليح في الأولوية حماية المدرسة هي حماية للمستقبل وبناء الامة للمستقبل.
ثانياً ما هي سودنة حقيقية التي نرمي لها.
سودنة لا تعني تأدلجاً جديداً، بل مصالحة مع القيم المحلية “النفير” كمنهج للعمل الجماعي، و”المسيد” كنموذجٍ للتعلّم المجتمعي، والاعتراف بالتعدد اللغوي كقوة هب بالتحديد هوية جامعة لا تقصي أحداً.
إدماج التعليم المهني والزراعي مبكراً، وربط المدارس بحاجات أقاليمها زراعة، رعي، حرف، تقنيات بسيطة.
لا جدوى من تضخّم الشهادات في اقتصادٍ معطّل.
رابعاً نظام الشبكة—تعليم مقاوم للحرب.
مناهج مرنة تُدرَّس تحت الأشجار كما في الفصول.
تدريب “معلم مجتمعي” من داخل النازحين.
استخدام الراديو والمنصات منخفضة التقنية لضمان العدالة المعرفية.
نظام لا يسقط بسقوط العاصمة.
نسبة ثابتة للتعليم من الإنفاق العام، وأولوية للأقاليم المتأثرة بالحرب، ورقابة مجتمعية تمنع تسييس المناهج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك