يبدأ مهرجان برلين السينمائي دورته الـ76 في مناخ يُعتَبر عادياً: حرارة الطقس منخفضة.
مطر قليل.
نتفٌ من ثلج يُذكِّر بالموجة الاستثنائية المؤدّية، قبل أسبوع على افتتاح الدورة الجديدة هذه (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026)، إلى إقفال مطار العاصمة، ما يُثير قلق مدعوين/مدعوات، ينتهي لاحقاً، مع إعادة فتحه واستقباله مسافرين ومسافرات.
حتى إنّ انقطاع البث المباشر للمؤتمر الصحافي التقليدي، الذي يُعقد قبل موعد حفلة الافتتاح بساعات، للجنة تحكيم المسابقة الأساسية، برئاسة الألماني فيم فاندرز (بسبب سؤال عن الإبادة في فلسطين)، لن يؤثّر على مسار متوقّع، في يومٍ تُرتَّب أموره بما يتلاءم ورغبة إدارة المهرجان في جعل هذا النشاط السينمائي أكثر فعالية في معاينة سينما غير جماهيرية.
زملاء وزميلات عرب يكتبون انطباعات وقراءات تسبق يوم الافتتاح، أو تتزامن وإياه.
يختصرون حكاية مهرجان، لا يزال يُقيم في حيّز ملتبس قليلاً: رغبة في جعله أقدر على التعبير السياسي والثقافي والبشري إزاء مصائب أفراد وجماعات (مهتمّا بآثار العدوان الروسي على أوكرانيا، مثلاً)، في مقابل خوف رهيب من أنْ تُثير فلسطين، مجدّداً، قلق الإدارة المنبثق من ضغوط السلطة.
وهذا، رغم أن التعليق عليه مُكرّر، غير محسوم، فالمهرجان يُصرّ على أن يكون مساحة لسينما أكثر التزاماً بمسائل فردية وجماعية، لكنه (المهرجان) عاجزٌ (أمْ أنه رافضٌ) عن قول موقف واضح ومباشر إزاء الأفعال الجُرمية الإسرائيلية، منذ نكبة 48 على الأقلّ.
بعيداً عن صخبٍ، مُخفَّف في هذه الدورة، بدأت العروض الصحافية (13/ 2/ 2026) لأفلام المسابقة (22 فيلماً) بـ" بيّت الحسّ" (In A Whisper)، للتونسية ليلى بوزيد، المُثير لإشكالية عربية، ببحثه في حالة مرفوضة في الاجتماع العربي التقليدي والمحافظ: المثلية الجنسية غير منبوذة فقط، بل محارَبة أيضاً، وفي تونس تُحارَب بمادة قانونية (230، قانون العقوبات).
وفاة" غامضة" لخالها، تُسبِّب عودة ليلِيا (آية بوترعة) من باريس، رفقة صديقتها/حبيبتها لوسي (ماريون باربو)، من دون إعلان علاقتها بها.
أسرارٌ تنكشف تدريجياً، ومواجهات يُفترض بها أنْ تكون صاخبة، لكنّها تبقى في إطار الغليان الذاتي الداخلي، وحقائق تظهر ببطء.
يليه أول عرض لـ" الجميع معجبون ببِل إيفانز" (Everybody Digs Bill Evans) لغرانت جي: وقائع يبدأ حصولها عام 1961، وتوليفٌ (آدم بيسْكوبْسْكي) يوازي بين ذاك العام وغيره لاحقاً (بعض أعوام سبعينيات القرن الـ20 وثمانينياته)، لسرد مسار حياتي ينحدر بإيفانز (أندرش دانيالز لي) إلى جحيمٍ، بعد مقتل صديقه بحادث سيارة، فانتحار شقيقه، ثم انتحار التي تُحبّه بهوس.
بالأسود والأبيض (الستينيات) تُروى التفاصيل التأسيسية للّاحق بعد أعوام (بالألوان)، وهواجس مُصوّرة (بيرس ماكغرايل) بما يدفع إلى الإحساس بها، لا النظر إليها فقط.
بدايةٌ تفتح أفقاً للتساؤل، المُكرَّر بدوره: إلى هذا الحدّ تتشابه المعاناة بين أفرادٍ، يجدون أنفسهم في بيئة غير حاضنة لأنها غير متفهّمة (رغم حضن أفراد وتفهّمهم)، أو في حالة تعيش غلياناً وقهراً وانكساراً وخيبات؟ لكنّ الفرق بين الفيلمين واضحٌ: أهمية ما تطرحه ليلى بوزيد غير متناسبة مع الترجمة السينمائية لها؛ بينما قسوة المعاناة والألم والانكسار، التي يعيشها عازف البيانو (جاز) بِل إيفانز، تُروى بصرياً بجمالية محبَّبة.
والموسيقى، المزعجة في" بيّت الحسّ"، تكون امتدادَين، حسّيا وروحيا، لوجع فردي يعثر على خلاصه (! ) بالموت.
أمّا الطقس البرليني، بصقيعه المقبول وتقوقعه السياسي والأخلاقي في زاوية الشعور الدائم بالذنب إزاء دولة تُبيد أناساً، فسيبقى عابراً خارج الصالات وشاشاتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك