تعد قضية جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا التي هزت ثقة الأمريكيين في نظامهم القضائي، بل وفاجأت العالم بأكمله، إذ كيف للدولة الأقوى في العالم، والمنادية بحقوق الإنسان، أن يصل بها الحال إلى هذا التغافل عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، وخصوصا الأطفال؟ !
لم تكن مجرد قصة رجل ثريّ متهم بجرائم خطيرة، بل كانت نافذة واسعة كشفت كيف يمكن للنفوذ والمال أن يضغطا على منظومة يفترض أنها بنيت على مبدأ بسيط: لا أحد فوق القانون.
هذا المبدأ تحديدا هو ما أراد الآباء المؤسسون الأمريكيون أثناء ثورة التحرير في القرن الثامن عشر ترسيخه عندما وضعوا الدستور الأمريكي.
ما جعل قضية إبستين صادمة ليس حجم الجرائم فقط، بل الطريقة التي تعامل بها النظام القضائي معه، حيث تساهل المدعي العام في فلوريدا، أو تغاضى عن الجرائم البشعة والاتجار بالقاصرات.
العدالة كما تخيلها الآباء المؤسسون.
عندما صاغ الآباء المؤسسون الدستور، كانوا يسعون إلى بناء دولة لا تدار بالامتيازات، كما كانت الأمور تجري في الإمبراطوريات الأخرى آنذاك، ولا تحكم بالطبقية.
لذلك ركزوا على ثلاث ركائز أساسية:
سيادة القانون: القانون فوق الجميع، من المواطن العادي إلى أعلى مسؤول.
الفصل بين السلطات: لضمان ألا تتحكم جهة واحدة في مصير الناس.
الحقوق الفردية: محاكمة عادلة، وحماية من التعسف، وحرية التعبير.
هذه المبادئ لم تكن مجرد شعارات، بل كانت ردا على تجربة مريرة عاشها المستعمرون مع الإمبراطورية البريطانية آنذاك.
قضية إبستين.
عندما يتعثر القانون أمام النفوذ.
ما جعل قضية إبستين صادمة ليس حجم الجرائم فقط، بل الطريقة التي تعامل بها النظام القضائي معه، حيث تساهل المدعي العام في فلوريدا، أو تغاضى عن الجرائم البشعة والاتجار بالقاصرات، وسجن إبستين ما يزيد على سنة فقط.
رغم وجود شهادات عديدة ضده، حصل إبستين على صفقة قضائية مخففة بشكل غير مسبوق، صفقة سمحت له بتجنب محاكمة كاملة، ومنحت شركاءه حماية غير مبررة، ووفرت له ظروفا مريحة خلال فترة احتجازه؛ حيث ثبت أنه كان يتجول حرا طليقا في ولاية فلوريدا، ويعود ليلا إلى" سجنه الفاخر".
بالنسبة لكثير من المتابعين والسياسيين، كانت هذه الصفقة إعلانا صريحا بأن إجراءات العدالة لا تساوي بين الجميع.
ارتباط إبستين بشخصيات سياسية واقتصادية بارزة خلق انطباعا بأن القضية أكبر من مجرد محاكمة فرد… كان السؤال الذي يتردد في الشارع الأمريكي: هل يمكن للنظام القضائي أن يلاحق شخصا محاطا بهذا الكم من النفوذ؟وفاته الغامضة داخل زنزانته الفدرالية زادت الشكوك، وأعادت النقاش حول مدى قدرة المؤسسات على حماية الحقيقة عندما تكون الأطراف المتورطة ذات وزن سياسي واقتصادي.
إذا كانت الولايات المتحدة تريد الحفاظ على إرث الآباء المؤسسين، فعليها أن تضمن أن القانون لا ينحني أمام المال، وأن العدالة لا تباع ولا تشترى.
رغم كل ما سبق، أعيد فتح القضية لاحقا، وتمت محاكمة صديقة إبستين، غيسلين ماكسويل، وإدانتها.
هذا أعطى انطباعا بأن النظام، رغم بطئه، قادر على تصحيح مساره.
لكن في المقابل، كشفت القضية عن فجوات واضحة:
المال يمكن أن يشتري الوقت والمساحة.
الثقة العامة في العدالة يمكن أن تهتز بسهولة.
لم تفشل مبادئ الآباء المؤسسين، فهي لا تزال حجر الأساس للدولة، لكن التطبيق هو الذي يواجه التحدي؛ فالولايات المتحدة اليوم أكثر تعقيدا من الدولة التي تخيلها المؤسسون، وأكثر تشابكا من أن تدار فقط بالنوايا الحسنة.
قضية إبستين لم تُسقط العدالة الأمريكية، لكنها كشفت هشاشتها أمام النفوذ، وذكّرت الجميع بأن سيادة القانون ليست أمرا مضمونا، بل مسؤولية تحتاج إلى يقظة دائمة، وفضائح إبستين كانت اختبارا حقيقيا لمدى قدرة النظام الأمريكي على الالتزام بمبادئه التأسيسية.
هي قصة تُظهر أن العدالة ليست مجرد نصوص دستورية، بل ممارسة يومية تحتاج إلى شجاعة، وشفافية، وإرادة سياسية.
وإذا كانت الولايات المتحدة تريد الحفاظ على إرث الآباء المؤسسين، فعليها أن تضمن أن القانون لا ينحني أمام المال، وأن العدالة لا تباع ولا تشترى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك