لعل الصفحات التي كُتبت عن سور الصين العظيم تغطي جدرانه كافة، من الداخل والخارج أيضًا! ولعل ما كُتب عن المعجزة الصينية يغطي مساحة آسيا كلها، فماذا بمقدور زائر مثلي أن يكتب عن هذا التنين المدهش العظيم؟ ثم من منا لا يعرف، ولو قدرًا بسيطًا، عن عجائب هذا التنين المدهش؟ ثم من منا لا يعرف، ولو قدرًا يسيرًا، عن عجائب هذا الجنس المهذّب العنيف، الساذج الذكي، الطيب اللئيم، القوي الضعيف؟ !
شيء واحد استحوذ عليّ وقررت، منذ البداية، أن أكتب عنه.
هذا الشيء هو هفوات سلوكنا؛ فنحن – مثلًا – نكاد نعرف كل شيء عن الصين، ولكننا – كالعادة – لا نعرف الجانب الذي يخصنا، سواء أكنّا مسلمين أم عربًا.
فليس العرب كلهم مسلمين، فالذين وصلوا الصين فاتحين هم مسلمون أولًا، وعرب ثانيًا! فما عرفته – ولا أقول اكتشفته – لم أسمع عنه من قبل، ولم أجده مدوّنًا في أي كتاب مما قرأتُ، سوى جزئية بسيطة تقرر أن طريق الحرير يمتد من الإسكندرية إلى (كوانغجو)، باعتبار أن (Guangzhou) هي الحيز المكاني لموضوعي هذا.
وهذه المدينة تقع جنوب الصين، ولا تبعد أكثر من 200 كيلومتر عن مدينة (هونغ كونغ) الشهيرة، التي أسسها الإنجليز منذ نحو 400 عام فقط.
و(كوانغجو) من أهم مدن الصين التجارية، ويُقام بها معرض (كانتون) الشهير مرتين في السنة: الأول خلال فصل الربيع، والثاني خلال فصل الخريف، وذلك تفاديًا لحرّها الحارق في الصيف وبردها القاسي في الشتاء.
وخلال هذين المعرضين يزور الصين ملايين الزوار من مختلف بقاع العالم، ولا يضاهيهم عددًا إلا زوار بيت الله الحرام وقت الحج.
يبلغ تعداد هذه المدينة – منذ نحو 17 سنة مضت – نحو أربعة عشر مليون نسمة، منهم نحو مليون ونصف المليون مسلم، وفق الإحصاءات الرسمية.
أما العدد الحقيقي للمسلمين الصينيين فأكثر بكثير من هذا الرقم.
وهذه معلومة استقيتها من أستاذ كريم اسمه الدكتور عادل السيد، وهو مصري متزوج من سيدة صينية، وكان حينها يشغل منصب رئيس الغرفة التجارية المصرية الصينية.
وهو باحث موسوعي متمكن، له العديد من الأبحاث والمقالات الدينية والدنيوية، وفوق ذلك ممتلئ مروءة ودفئا وكرما.
ثم عرفت فيما بعد أنه سند لكل من يطرق بابه من العرب الذين يزورون الصين.
وقد أكد لي أنه منذ أربعمائة عام فقط – أي قبل أن تؤسس بريطانيا مدينة (هونغ كونغ) – كان سكان مدينة (كوانغجو) بالكامل من المسلمين! وأنا لم أعرف هذه الحقيقة إلا من الدكتور عادل.
فدعوني أحكِ لكم عما اكتشفته في (كوانغجو).
على جدار قديم، عن يمين مدخل عتيق بوسط مدينة (كوانغجو)، لفتت انتباهي لافتة صغيرة الحجم، مستطيلة من المرمر، أبعادها نحو 60 × 40 سم، مكتوبة باللغة العربية.
وعندما اقتربت منها، كان المكتوب يعلن أنها «روضة ابن وقاص».
وعندما هممت بالدخول، نبّهني عجوز – يبدو أنه خفير – إلى أن باب الدخول من الجهة الخلفية.
تابعت السير بمحاذاة السور حتى وصلت إلى شارع جانبي صغير، وهناك وجدت في بهو المدخل سوقًا يعج بالباعة الجوالين، والشحاذين، وذوي العاهات، ويتوسطه مطعم شعبي صغير يعلن بالخط العربي أن اللحم حلال.
وعلى امتداد المدخل أناس متكئون على السور القصير الذي يحف جانبي ممر ممتد عبر غابة لا يبدو أن أحدًا يعتني بها!
تابعت السير وراء عديد من الزوار غير الصينيين، ويعلن لباس العديد منهم أنهم مسلمون.
وانتهى الممر عند مبنى أثري عتيق، وما إن عبرت بابه حتى دخلت صحنًا في وسطه مظلة صينية الطراز، مفروشة أسفلها حُصر وسجاد قديم يجلس فوقه بعض الزوار، منهم المتكئون ومنهم القاعدون.
ويحفّ بهم عدد من مواطنين صينيين دائمي التبسم والانحناء، وإطلاق تحية الإسلام: «السلام عليكم»، التي لم تبدُ لي كتحية بقدر ما بدت إعلانًا يقرر أنهم مسلمون.
وهناك مُصلّى، حيث يركع عدد من الراكعين، وهناك ماء يتوضأ منه عدد من المتوضئين.
جلست أسفل المظلة، فقدم لي أحد القائمين على المكان كوبًا من الشاي الصيني الأخضر.
ولما سألت عن قصة هذا المكان، لم أفهم من جموع الزوار المبتهلين سوى أنه «سيدنا وقاص».
وكنت أعلم أن سعد بن أبي وقاص هو الذي قاد جيش المسلمين إلى هناك، لكنه عاد وتوفي في المدينة ودُفن في ثراها.
غير أنني عرفت من الدكتور عادل السيد أن لابنه محمد بن سعد بن أبي وقاص شأنًا في ذلك؛ فقد رافق والده، وتوفاه الله هناك.
ومنه عرفت أيضًا أن المبنى كان أكثر تنظيمًا ونظافة واهتمامًا، غير أن زعيم الصين الشهير ماو تسي تونغ هو من قرر طمس معالم الديانات كافة، باعتبار أنها – كما يعتقد الشيوعيون – «أفيون الشعوب».
غير أنه – كما يُقال – إن قائد الجيش الذي كُلّف بهذه المهمة رأى في منامه رؤية تحذره من مغبة هذا العمل، وأن إزالته ستكون سببًا في دمار دولتهم، وأن عدم تنفيذها يعني فقدانه رقبته.
فلم يُزِلْه.
ويُقال أيضًا إن (ماو) نفسه رأى الرؤيا ذاتها، فأمر بإيقاف إزالته.
القصة أوردتها كما سمعتها، والمكان شاهدته، وما زال قائمًا، لكنه إلى حد كبير مهمل.
ويُقال أيضًا إن ثمة رائحة زكية تفوح من القبر، وهي التي اشتمها قائد جيش (ماو)، بل و(ماو) نفسه، ولهذا لم يُزَل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك