أكدت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية أنه مع غروب شمس آخر شعبان، ينطلق نداء السماء المهيب" يا باغي الخير أقبل" لتُفتح أبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران وتُصفد الشياطين، إنها الليلة التي تضبط فيها القلوب بوصلتها نحو التغيير الكوني الكبير، وتستعد الأرواح للارتواء من فيض الرحمات في مستهل أعظم شهور العام.
نداء السماوات وسباق القلوب المؤمنة.
مع أول ليلة من شهر رمضان المبارك تُفتح أبواب السماء لاستقبال دعوات العابدين، وتُهيّأ الأرواح لاستقبال موسم الطاعات، إنها ليلة عظيمة، تفتتح بها أبواب الجنة، وتُغلَق أبواب النيران، وتُصفّد الشياطين، فحريٌ بنا ـ معاشر الصائمين - أن نستقبل هذا الشهر الكريم بكل فرح وشوق، وأن نعقد العزم على صيامه وقيامه، وملئه بالأعمال الصالحة؛ امتثالًا لقوله سبحانه: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
ولقد خص الله هذه الليلة بحدث كوني مهيب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» الترمذي (٦٨٢).
هذا النداء الرباني يتكرر كل ليلة، وهو نداء رحيم يفتح أبواب الأمل لكل راغب في الخير، وهذا الفضل يبدأ من أول لحظة؛ فليلة رمضان تسبق صيامه، وهي أولى محطات الرحمة.
إن أولى خطوات الإقبال في هذه الليلة هي تصحيح الباطن وتجريد النية، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [البخاري (٣٨)، ومسلم (٧٦٠)].
والمراد بالإيمان الاعتقاد بحق فرضية صومه وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى، وقال الخطابي: احتسابًا أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك، غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه.
[فتح الباري لابن حجر (٤/ ١١٥)].
فإذا وفق الواحد منا لإدراك الشهر أعانه الله على فعل ما عزم به، وضاعف له الأجر، وإن وافته المنية كُتب له الأجر بالنية الصادقة لأنه كان عازمًا على الاجتهاد في العبادة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن یَخۡرُجۡ مِنۢ بَیۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ یُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ﴾ [النساء: ١٠٠].
التوبة الصادقة: فهي مفتاح الدخول، والحق سبحانه وتعالى أمر جميع المؤمنين بالتوبة فقال: ﴿وَتُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِیعًا أَیُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
تجديد النية: أن نُقبل على الشهر بقلبٍ جديد، عازمين على ترك الذنوب جملة وتفصيلًا.
العزم على الطاعة: بالتخطيط لختم القرآن، وقيام الليل، والصدقة، وصلة الرحم والأعمال الصالحة.
الفرح بقدومه: حيث ساق المولى سبحانه وتعالى موسمًا عظيمًا للعتق من النيران ونيل الرضوان، ففي الحديث: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» [البخاري (٧٤٩٢)، ومسلم (١١٥١)].
من أقوال الصحابة والصالحين في رمضان.
لقد كان السلف الصالح يدركون أن رمضان مضمار سباق لا وقت فيه للراحة.
يقول سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك وصومك سواء".
[فضائل الأوقات للبيهقي ١/١٨٦].
ويقول الحسن البصري: " إن الله جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا" [زهر الآداب وثمر الألباب ٢/٦١٧ للقيرواني].
وكان يحيى بن أبي كثير يدعو: " اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلًا".
[لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ١/٢٦٤ — لابن رجب].
إن تصفيد الشياطين في الليلة الأولى يعني أن الجو قد هُيئ لك تمامًا، ولم يبقَ عائق بينك وبين ربك إلا هواك، فإذا فُتحت أبواب الجنة وغُلقت أبواب النار، كانت تلك دعوة صريحة للفرار إلى الله.
فيا من ضاع عمره في لا شيء، استدرك ما فاتك في شهر رمضان، فإنه من حُرم خيره فقد حُرم، فإن لله عتقاء في كل ليلة، فربما تكون سجدتك في أول صلاة تراويح هي سبب عتقك الأبدي من النار، فهل ستلبي النداء؟ ها هو النداء قد انطلق في أرجاء الملكوت: " يا باغي الخير أقبل"، فهل من مجيب؟ إنها فرصة قد لا تتكرر، وموسم يمر مر السحاب، فافتح قلبك، وجدد نيتك، وابدأ رمضانك من أول ليلة بصدق العزيمة، فربما تكون هذه الليلة هي مفتاح نجاتك في الدنيا والآخرة.
تعد أول ليلة من رمضان بوابة العتق الكبرى ومنطلق السباق نحو مرضاة الله، ففيها يتهيأ الكون بالأمل وتصفد الشياطين لاستقبال التائبين، إنها الليلة التي لا يخيب فيها من أقبل بصدق نية وإيمان واحتساب، ملبيًا نداء السماء قبل فوات الأوان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك