كان نجله الأكبر لاليت بيشوكارما (21 عاما) حاضرا لتوقيع الوثائق.
وأفادت شهادة الوفاة بأنه توفي بنوبة قبلية عن 43 عاما.
حمل طاقم الأمتعة الصندوق إلى مؤخر الشاحنة كما لو أنه قطعة من الأمتعة المفقودة.
لم يكن هناك وقت لأي مراسم، مع انتظار شاحنتين أخريين في الطابور.
كل يوم، يتم تسليم جثث ثلاثة أو أربعة عمال مهاجرين إلى عائلاتهم في المطار، ضمن نظام تُشرف عليه الدولة ويساهم في إبقاء اقتصاد النيبال مستقرا.
وقال الابن" غادر بحثا عن السعادة لأبنائه وعائلته والآن عادت جثّته داخل تابوت.
إنه أمر لا يطاق".
يعمل حوالى 2,5 مليون نيبالي في الخارج، أي ما يعادل 7,5 في المئة من السكان، بحسب الأرقام الرسمية.
ويشتغل معظمهم في مواقع بناء في الخليج أو في الفنادق والمصانع هناك، بينما يعمل آخرون في الهند وماليزيا.
وتساهم الأموال التي يرسلونها إلى بلدهم في أكثر من ثلث إجمالي الناتج المحلي للبلاد، بحسب البنك الدولي.
ومعظم العمال من الشباب الذين اضطروا للسفر نتيجة البطالة المزمنة التي تعاني منها أفقر دولة في جنوب آسيا.
ولعبت البطالة دورا في إشعال انتفاضة" الجيل زد" التي أطاحت حكومة" المسنّين" برئاسة كيه بي شارما أولي (73 عاما) في أيلول/سبتمبر.
تجسّد بلدة مادي (جنوب) درجة اعتماد النيبال على تصدير مواطنيها.
ويتباهى ديباك ماغار (39 عاما) بالمنزل الصغير الذي شيّده على منعطف طريق مليء بالحفر، إذ كلّفه هذا المكعب من طوب الخرسانة المغطى بألواح حديد ثلاث سنوات من الجهد والتضحيات أثناء عمله في مصنع للرخام في السعودية.
ويقول" جمعت 700 ألف روبية نيبالية (4800 دولار) أنفقتها على بناء هذا المنزل".
وقال لفرانس برس" عليّ أن أطعم عائلتي وأوفر التعليم لأطفالي.
أشعر بالحزن لترك عائلتي، لكن لا وظائف هنا".
يعمل أحد أشقائه أيضا في السعودية، بينما يعمل شقيق ثالث في رومانيا.
ويقول والده دانا باهادور ماغار (60 عاما)" لا نملك ما يكفي من الأراضي لإطعام العائلة بأكملها".
أما ابنتا جونا غوتام فغادرتا إلى اليابان.
وتقول الوالدة" رغم أنهما متعلّمتان، لا فرص عمل هنا".
وعلى غرار آخرين، اضطرت العائلة للاستدانة للدفع لوكالات التوظيف التي ساعدتهما على الحصول على وظائف في اليابان، على قولها.
ويوضح المستشار المحلي بيريندرا بهادور بهاندار بأن 1500 شاب في منطقة يبلغ عدد سكانها نحو 50000 نسمة، يعملون في الخارج.
لطالما غادر شباب النيبال للقتال في صفوف الجيش البريطاني (غوركا)، وهو تقليد يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر.
لكن هذا التدفق المحدود للمهاجرين ازداد خلال السنوات العشر للتمرد الماوي الذي انتهى عام 2006.
ويستذكر نيلامبار بادال من" الشبكة الوطنية للهجرة الآمنة" أن الشباب فرّوا إلى المدن هربا من القتال ووجدوا" ملاذا في الحصول على وظائف في الخارج".
لكن حجم هذه الهجرة بات هائلا خلال العقد الأخير مع ركود قطاعي الزراعة والسياحة في النيبال.
وعام 2016، أصدرت دائرة التوظيف في الخارج، وهي الوكالة الحكومية المشرفة على العمال المهاجرين، 287,519 تصريحا للعمل في الخارج.
وأصدرت العام الماضي عددا أكبر من التصاريح بثلاث مرّات.
ويقدّر بادال بأن" حوالى نصف العائلات (النيبالية) تحصل على تحويلات مالية" من الخارج.
وترى مجموعات معنية بشؤون العمال المهاجرين أن الحكومة باتت" مدمنة" على التحويلات التي تبقي عجلة الاقتصاد دائرة.
وأفاد بادال بأنه بدلا من تطوير القطاعات المحلية، تروّج الحكومة" للعمل في الخارج".
وأضاف" يتوقعون من الناس أن يغادروا ويرسلوا الأموال ليتمكنوا من إدارة البلاد".
وأضاف" نحن اقتصاد يعتمد على التحويلات" من الخارج.
وذهبت وزيرة العمل السابقة ساريتا غيري أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن الحكومة في قلب نظام" متعفّن وفاسد.
يستغل العمال المهاجرين وعائلاتهم".
ووصفت وكالة إصدار التصاريح الحكومية التي ترسل الناس إلى الخارج بأنها" مافيا" تُشترى بأموال تدفعها" أحزاب سياسية عبر مسؤولين حكوميين.
لهذا السبب لم تُحل المشكلة.
إنه نظام يتمتّع بحماية كبيرة".
ولفتت إلى أن الحكومة هي التي تتحمل المسؤولية.
وكان من المفترض أن ينظّم قانون صدر في 2007 نحو ألف وكالة توظيف.
لكن معارضين يقولون إن العمال المهاجرين يجبرون على دفع مبالغ تتجاوز رسوم الخدمة بثلاثين إلى أربعين مرّة.
ويغرق كثيرون بالديون لدفع مئات الدولارات لقاء تأشيرات وتصاريح وتكاليف السفر الذي تنظمه الوكالات.
أما الوظائف التي يمارسونها في نهاية المطاف، فتكون عادة مختلفة تماما عمّا وُعدوا به.
غادر سانجيب غورايسين إلى قطر العام الماضي معتقدا أنه سيعمل في تنظيف مسبح فندق خمس نجوم.
لكنه وجد نفسه يعمل كخادم منزلي يتقاضى نصف ما وُعد به، وينام على الأرض.
وقال" دفعت 200 ألف روبية (1350 دولارا) على أمل الحصول على راتب شهري قدره 356 دولارا واضطررت لأخذ قرض استغرق تسديده ستة أشهر".
وأضاف أن رب عمله لم يتركه يغادر" إلا عندما هددت بالانتحار.
واضطررت لدفع تكاليف عودتي".
ورفض وكيله النيبالي تعويضه وعرض بدلا من ذلك إرساله إلى مكان آخر مجانا، وهو أمر لم يحصل.
توفي حوالى 14843 نيباليا في الخارج بين العامين 2008 و2025، بينهم 1544 لقوا حتفهم العام الماضي وحده، بحسب ما أظهرت بيانات رسمية.
وسجّل عدد قليل من هذه الوفيات على أنها حالات وفاة في أماكن العمل.
وكانت الحصيلة الرسمية لعدد عمال البناء الأجانب الذين توفوا قبيل كأس العالم في قطر 2022 صغيرة أيضا.
وبينما تقول السلطات المحلية إن أقل من 40 توفوا، تؤكد منظمات غير حكومية أن آلاف العمال المهاجرين، بينهم العديد من النيباليين، لقوا حتفهم في ظل ظروف صعبة في الحر الشديد، معظمهم بنوبات قلبية.
وتنفي وكالات التوظيف أي علاقة لها بالانتهاكات وتحمّل الحكومة المسؤولية.
لكن منظمات غير حكومية تقول إن العديد من الوكالات تنتهك القواعد وتستغل الناس الذين يحتاجون بشدة للعمل في الخارج.
وأكد العديد من المهاجرين لفرانس برس أنهم حصلوا على العمل في الخارج عبر وكالات غير قانونية.
وأشار كول براساد كاركي من منظمة" برافاسي نيبال" غير الحكومية إلى أن" عملاء غير رسميين ينشطون في انتهاك لكل السياسات الحكومية والقواعد.
تقع هذه المشاكل بشكل متكرر".
وأوضح كاركي الذي عمل في السعودية عشر سنوات أن حتى الشركات المرخّصة لا تلتزم بالقواعد.
ويؤكد الحقوقي بارون غيمير أن أي وكالة لم تدن بتهمة خرق القواعد.
ويقول إن" القانون طُبّق لتنظيم أعمال التوظيف في الخارج، لكنه لا يتطرق إلى حقوق العمال المهاجرين ولا إلى التزام الحكومة بضمانها".
وقالت وزارة العمل والتوظيف والضمان الاجتماعي في النيبال إنها تركز على" حماية مصالح العمال المهاجرين".
غير أن المتحدث باسمها بيتامبار غيميري أقرّ بأن" وجه القصور الوحيد لدينا يكمن في التطبيق المناسب".
مع اقتراب موعد الانتخابات المقررة في الخامس من آذار/مارس، يتعهّد العديد من المرّشحين إحداث التغيير المنشود.
وأكد باليندرا شاه (35 عاما)، وهو الرئيس السابق لبلدية العاصمة كاتماندو ويرى كثيرون أنه قد يصبح رئيس الوزراء المقبل، أن الوظائف والتدريب وجذب الاستثمارات أمور تتصدر أولوياته.
وقال" يمكننا تشجيع أولئك الذين غادروا البلاد من باب الضرورة على العودة" حتى وإن كان" لا يمكننا إعادة جميع النيباليين في اليوم التالي" لتسلم الحكومة الجديدة السلطة.
أما إحداث تحول في اعتماد النيبال على التحويلات المالية من الخارج فقد يستغرق وقتا أطول بكثير.
وتجاوزت التحويلات المالية الشهرية من الخارج سقف 200 مليار روبية (1,4 مليار دولار) لأول مرة مباشرة بعد" ثورة" أيلول/سبتمبر.
والمفارقة أن النيباليين المقيمين في الخارج والذين تعتمد عليهم البلاد لن يتمكنوا من التصويت في انتخابات الخامس من آذار/مارس.
ورغم قرار صادر عن المحكمة العليا، إلا أن لجنة الانتخابات لم تنظّم بعد إمكان إدلائهم بأصواتهم عبر البريد.
ولا ينتظر ديباك ماغار الذي عاد إلى السعودية الكثير من أي حكومة جديدة حتى لو كانت منبثقة من انتفاضة" الجيل زد".
ويقول" بغض النظر عن الفائز، لن يفعل أحد شيئا من أجلنا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك