يني شفق العربية - مصر.. إنشاء كلية "القرآن الكريم للقراءات وعلومها" بطلب من شيخ الأزهر روسيا اليوم - بيان: بيل غيتس قرر تحمل "مسؤولية أفعاله" بشأن علاقته بإبستين فرانس 24 - ترامب يحطم الرقم القياسي لأطول خطاب لـ"حالة الاتحاد" يني شفق العربية - تركيا.. تحطم مقاتلة من طراز "إف16" واستشهاد قائدها يني شفق العربية - في رمضان.. مستوطنون يحرقون منازل وسيارات فلسطينية جنوبي الضفة روسيا اليوم - صعود أسعار النفط قبل محادثات أمريكية إيرانية فرانس 24 - دوري أن بي ايه: كافالييرز يُسقط نيكس وينال ثناء هاردن روسيا اليوم - "اعتدال وتواصل حقيقي".. ويتكوف يشيد بروسيا في المفاوضات حول أوكرانيا قناة الغد - ميرتس يزور الصين لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية يني شفق العربية - للمرة الثانية الثلاثاء.. قوات إسرائيلية تهاجم الجيش اللبناني
عامة

من مصادرة الكتاب إلى برمجة العقل: كيف تحولت آليات السيطرة

بوابة الوسط
بوابة الوسط منذ 1 أسبوع

قبل ثلاثة عقود من الآن، كان العبور من مطارات العالم يحمل طقساً من الرهبة يتجاوز التفتيش الأمني المعتاد. لو وُجد في حقيبتك كتاب ماركسي، أو منشور لجماعة إسلامية، أو حتى مطوية لمذهب مغمور، لكان ذلك كفيلا...

ملخص مرصد
قبل ثلاثة عقود، كانت السلطات تصادر الكتب في المطارات خشية الأفكار المعارضة، أما اليوم فهي تترك الكتب وتسيطر على التفكير عبر الخوارزميات ووسائل الإعلام. التحول من مصادرة الكلمة إلى تفتيت الانتباه وتطبيع الفساد عبر الضجيج الإعلامي والسخرية الرقمية. الحرية المزعومة للتعبير تحول الغضب إلى ترفيه استهلاكي دون تغيير حقيقي.
  • السلطات استبدلت مصادرة الكتب بالسيطرة على التفكير عبر الخوارزميات
  • برامج الحوار تحول النقد الجاد إلى ضجيج استعراضي يستنزف الغضب دون جدوى
  • الذباب الإلكتروني يحول الأخبار المأساوية إلى ميمات تافهة لتفريغ الغضب الشعبي
من: السلطات الحاكمة والجيوش الرقمية

قبل ثلاثة عقود من الآن، كان العبور من مطارات العالم يحمل طقساً من الرهبة يتجاوز التفتيش الأمني المعتاد.

لو وُجد في حقيبتك كتاب ماركسي، أو منشور لجماعة إسلامية، أو حتى مطوية لمذهب مغمور، لكان ذلك كفيلاً بأن يضعك في غرف الاستجواب لساعات، وربما قادك إلى ما هو أسوأ.

كانت السلطة آنذاك تخشى «العدوى العابرة للحدود»، وتطارد الكلمة المكتوبة بوصفها قنبلة موقوتة.

أما اليوم، فبإمكانك أن تعبر ذات المطارات وأنت تحمل في جهازك الصغير مكتبات كاملة من أدبيات الثورة والاحتجاج، بل وبوسعك أن تنشر تغريدة تهاجم فيها النظام العالمي وأنت تقف أمام ضابط الجوازات نفسه، ولن يطرف له جفن.

لا يعود ذلك إلى أن السلطات أصبحت أكثر تسامحاً، بل لأنها أدركت أن السيطرة على «التعبير» أداة قديمة ومكلفة، فاستبدلتها بما هو أنجع وأخطر: السيطرة على التفكير ذاته.

«قديماً كان الكتاب يُصادر في المطار لأنه «خطر»، واليوم يُترك لك كل شيء لأن السلطة أدركت أنها لا تحتاج لمصادرة كتابك.

طالما أنها تملك عقلك».

لقد انتهى عصر «منع الكتاب»، وبدأ عصر «تفتيت الانتباه».

لم تعد السلطة بحاجة لمصادرة ما تقرأ، طالما أنها تملك الخوارزمية التي تضمن أنك لن تركز في قضية لأكثر من دقيقة.

أصبح السلاح الجديد هو الحرمان من المعنى، عبر ضخ الأخبار بوتيرة ومقدار يجعلانها أمراً مألوفاً.

فالمجازر، والكوارث، وقضايا الفساد المليارية، يراها المواطن اليوم في سيل لا ينقطع، مما يفرغها من قيمتها الأخلاقية ويحولها إلى «خلفية روتينية» ليومه، تماماً كحالة الطقس.

السيطرة على التفكير: فخ «التعددية الصورية».

هنا يكمن الفرق الجوهري في استراتيجيات الهيمنة الحديثة:

•دول الصوت الواحد: لا تزال تعتمد الهيمنة الخشنة والبروباغندا المباشرة، وهي بذلك تخلق وعياً حاداً لدى الناس نتيجة الضغط.

•الدول متعددة الأصوات: هي النموذج الأكثر خبثاً؛ تُفتح فيه الاستوديوهات على مصراعيها للنقد والتحليل والصراع اللفظي.

تشاهد صراخاً وتُقدم لك وثائق واتهامات بالفساد، لكن الوظيفة الخفية هي «تطبيع الرداءة».

فكثرة الحديث عن الفساد في هذه البيئة «التعددية» لا تستهدف الإصلاح في الغالب، بل إلى إقناعك تدريجياً بأن «الجميع يسرق»، وأن الفساد أصبح معطىً طبيعياً أو قدراً محتوماً لا فكاك منه.

برامج الحوار: معارك مُتخَطَّطة لاستنزاف الغضب.

ولعل الذروة في استغلال هذه «التعددية الصورية» تتجلى في تحويل وسائل الإعلام، وخاصة البرامج الحوارية وبرامج «الـتوك شو»، إلى ساحاتٍ لـ «معارك وهمية».

تدرك السلطات أهمية هذه البرامج في امتصاص النقمة وتحويل النقد الجاد إلى ضجيج استعراضي يستهلك الطاقة العاطفية والفكرية للمتفرج دونما جدوى.

على هذه الشاشات، يُدعى «المعارضون» و«النقاد» ليشاركوا في مناظرات محتدمة، لكن داخل أُطرٍ محكمة التخطيط.

الغرض ليس الوصول إلى الحقيقة أو تحقيق إصلاح، بل تقديم مسرحية من «الصراع المسموح به».

يشاهد الجمهور صراخاً واتهاماتٍ متبادلة، فيشعر وكأن الرقابة قد رُفعت والحريات توسعت.

لكن في الحقيقة، يُختزل النقد المعقد في شخصنة المشكلات وشتائم فردية، ويُحوَّل الغضب الشعبي من طاقةٍ دافعة للتغيير إلى مادة ترفيهية استهلاكية عابرة.

تُصبح القضايا المصيرية مجرد «حلقة» تنتهي بانتهاء الوقت المخصص، لتعود الأمور إلى ما كانت عليه، بينما يكون الجمهور قد أُعطي جرعة وهمية من «المشاركة».

الجيوش الرقمية: اغتيال المعنى بالسخرية.

في هذا الفضاء، ظهر «الذباب الإلكتروني» ليكون مهندس الفوضى.

وظيفته ليست إنكار الفساد أو إخفاءه، بل تحويله إلى «نكتة» أو «تريند» تافه.

السخرية هنا ليست سلاحاً للمقاومة، بل أداة لتفريغ الغضب الشعبي.

عندما يتحول الخبر المأساوي إلى «ميم» [^1] (Meme) مضحك، يكون الذباب قد نجح في مهمته: لقد سلبك القدرة على أخذ القضية بجدية، وحوّل المجرم إلى مادة للترفيه.

لقد نجحت الوصفة التي بدأت مع الراديو والسينما في الوصول إلى نسختها الرقمية الكاملة: إيهامك بأنك «فاعل» لأنك تملك حق التعبير.

عندما تضع «إيموجي» غاضباً أو تكتب تعليقاً حاداً، يعطي الدماغ إشارة «إتمام المهمة».

تشعر بالرضا النفسي لأنك اعترضت، فتفرغ شحنة الغضب في الفضاء الافتراضي بدلاً من تحويلها إلى فعل منظم.

السلطة تمنحك «حرية الصراخ» لتضمن أنك لن تملك «إرادة التغيير».

الخاتمة: استعادة السيادة على العقل.

إن الحديث عن الفساد لم يعد يحركنا لأننا أُصبنا بـ «التنميل الشعوري».

السلطة التي كانت تصادر الكتب الممنوعة في المطارات كانت تخشى «الفكرة»، أما السلطة اليوم فهي تترك لك الكتب وتأخذ منك «التركيز».

التحرر يبدأ في اللحظة التي ندرك فيها أن «اللايك» ليس ثورة، وأن الضجيج ليس وعياً.

نحن بحاجة لاستعادة «القدرة على الدهشة» والرفض الحقيقي، بعيداً عن الأطر التي رسمتها لنا الخوارزميات وجيوش الظل الرقمية.

الحقيقة ليست فيما يُسمح لنا بقوله، بل فيما يُراد لنا أن نكف عن التفكير فيه.

: [^1] الميم هو محتوى رقمي ساخر (صورة، فيديو، أو عبارة) ينتشر بسرعة فائقة عبر الإنترنت، وغالباً ما يُعاد تشكيله ونشره بتعديلات طريفة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك