في هافانا التي عُرفت طويلاً برائحة السيجار وصوت الموسيقى ودفء المقاهي القديمة، لم تعد أزمة الطاقة خبراً اقتصادياً روتينياً، بل صارت إيقاعاً يومياً على سلّم الضوء يرتفع حين يأتي وينخفض حين ينقطع، وتُقاس أزمة الوقود بطوابير الحافلات حين تتحرك وحين تتوقف وتصطف أمام محطات الوقود.
بلد القهوة والسكر الذي اعتاد أن يعيش على إيقاع البحر والسياح يجد نفسه اليوم أمام نقص حاد في الطاقة جعل السلطات في هافانا تتحرك سريعاً عبر تدابير طارئة هدفها حماية الخدمات الأساسية وتقنين الوقود وتأجيل بعض الأنشطة العامة، وفقاً لخطاب نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا في 7 فبراير/شباط الماضي.
المشهد في شوارع هافانا يذكّر بحقبة تسعينيات القرن الماضي حين دخلت البلاد ما عُرف بالفترة الخاصة، غير أن الشرارة التي سرّعت الانكماش الحالي جاءت بعد اختطاف القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني الماضي، وما تبعه من ارتباك واسع في إمدادات النفط القادمة من كاراكاس.
قبل هذه المرحلة، كانت كوبا تعتمد على معادلة طاقية هشّة لكنها مستقرة نسبياً، إذ كان النفط المستورد يشكّل العمود الفقري لإنتاج الكهرباء بينما يغطي الإنتاج المحلي جزءاً محدوداً من الاحتياجات.
وأكدت بيانات الوكالة الدولية للطاقة الصادرة عام 2023 أن إمدادات الطاقة في كوبا تأتي أساساً من المنتجات النفطية، وأنها تمثل أكثر من 80% من توليد الكهرباء، وهو ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات يتحول سريعاً إلى أزمة كهرباء تطاول الحياة اليومية.
ومع تصاعد الضغوط على شحنات الوقود أو توقفها، تحولت هشاشة الاعتماد إلى واقع قاس داخل الأحياء والورش والمرافق العامة.
وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في بيان صادر يوم السبت الماضي، إنها قلقة للغاية من تعمق الأزمة وإن القيود الأخيرة على شحنات النفط تزيد الوضع سوءاً، وإن انقطاع الكهرباء يؤثر في الوصول إلى المياه والصرف الصحي لأن معدات الضخ تعتمد على الكهرباء.
كما صدر في اليوم نفسه بيان لخبراء أمميين أدانوا الأمر التنفيذي الأميركي المتعلق بتقييد الوقود، محذرين من تبعات إنسانية يمكن توقعها، وأشاروا إلى أن الانقطاعات قد تصل إلى 20 ساعة في مناطق عديدة، وأن ذلك يمس تبريد الغذاء والدواء ويغذي أزمات الصحة العامة.
مع تقلص الإمدادات، بدأت آثار الأزمة تظهر بسرعة على الأرض، ووسائل إعلام نقلت صورة الحياة اليومية من داخل الجزيرة بعبارات لا تشبه البيانات الرسمية.
ونقلت صحيفة ذا غارديان البريطانية، في 13 فبراير/شباط 2026، شهادة ميدانية من هافانا تصف كيف تراجع مستوى الخدمات إلى حد أن الماء والكهرباء يغيبان عن أحياء كاملة، وكيف باتت الانقطاعات تمتد لأكثر من ست عشرة ساعة في اليوم في بعض المناطق، وكيف صار الليل يُدار بالبطاريات والمصابيح الصغيرة داخل محال ومخابز تحاول أن تبيع في العتمة.
ونقلت الصحيفة صوراً بائسة لأطفال يتسولون في ساعات الدراسة في شوارع غمرتها القمامة، وهو مشهد تقول إنه كان نادراً في بلد كانت الدولة تضبط فيه حضور الأطفال إلى المدارس بصرامة.
وفي تفاصيل أكثر قسوة، نقلت أن نقص الوقود دفع مدارس إلى الطهي على النار حين تعذر الغاز، وأن مستشفيات تعمل بأقل الإمكانات وسط ندرة الدواء وتعطل الأجهزة أو تقاسم ما تبقى منها.
إنتشرت صور بائسة للأطفال وهم يتسولون في ساعات الدراسة في شوارع غمرتها القمامة، وهو مشهد كان نادرا في كوبا.
وحاولت الحكومة الكوبية احتواء الصدمة عبر إجراءات تقشفية واضحة جرى الإعلان عنها في وسائل الإعلام الرسمية.
ونشرت صحيفة" غرانما" الحكومية، في 6 فبراير/شباط، تقريراً عن حزمة إجراءات قالت إنها تستهدف ضمان الخدمات الأساسية وحماية ما تعتبره مكاسب اجتماعية مع توجيه الوقود أولاً إلى ما لا يحتمل الانقطاع.
وقالت الصحيفة الكوبية في ملف المياه إن تزويد منظومات الضخ بالوقود سيكون أولوية، وإن البلاد ستسرّع تغيير مزيج الطاقة في هذا القطاع عبر تركيب 16 جهاز ضخ تعمل بمصادر متجددة خلال الشهر نفسه مع تأمين مواد كيميائية لمعالجة المياه والاستفادة من نقل كهربائي يمكن شحنه بالطاقة الشمسية.
وفي ملف الصحة، نقلت الصحيفة أن الخطة تضمن استمرار إنتاج ما يُصنّع محلياً لصالح المنظومة الصحية مع إعداد ترتيب خاص للمرضى المزمنين، مثل مرضى غسيل الكلى الذين يواجهون صعوبات نقل حتى يصلوا إلى المراكز العلاجية في مواعيدهم.
وفي السياحة، أشارت الصحيفة الحكومية إلى أن الخطة تقوم على تجميع وتشغيل بعض المنشآت بطريقة تقلل الاستهلاك، مع تعديل البرامج الثقافية والرياضية وتدابير تنظيمية لتقليص وقود النقل المرتبط بالفعاليات مع الحفاظ على بعض الاستحقاقات الرياضية.
وفي النقل، شرحت" غرانما" خطة لإعادة تنظيم حركة الركاب والبضائع بما يحافظ على تشغيل الموانئ والمطارات وخدمات مرتبطة بالتجارة الخارجية مع تقليصات واسعة لوسائل النقل الداخلية.
وأكثر القرارات الحكومية دلالة على عمق الأزمة تمثّل في تقليل وتيرة القطارات الوطنية من رحلة كل أربعة أيام إلى رحلة كل ثمانية أيام بدءاً من 8 فبراير/شباط 2026، مع ترتيبات نقل محددة للأساتذة والطلبة في أيام توقف القطارات.
مع تقليص بعض خدمات الحافلات الوطنية وتعليق خدمات مرتبطة بالأحداث والأنشطة مؤقتاً وتفويض أكبر للسلطات المحلية لضبط النقل داخل المدن حسب الوقود المتاح.
وفي قلب هذه التدابير، ظهر أثرها فوراً في الحياة الاقتصادية والثقافية.
ففي 7 فبراير/شباط الماضي، أعلن وزير الثقافة ألبيديو ألونسو تأجيل الدورة الـ34 من معرض هافانا الدولي للكتاب الذي كان مقرراً من 12 إلى 22 فبراير/شباط 2026 بسبب الوضع الاقتصادي الصعب.
وبعد ذلك بأيام، جاء قرار آخر أكثر رمزية بالنسبة لبلد السيجار، إذ ذكرت وكالة أسوشييتد برس، أول من أمس، أن منظمي مهرجان" هابانوس" (مهرجان السيجار) قرروا تأجيل الدورة الـ26 من المهرجان السنوي للسيجار، رمز الهوية الكوبية، الذي كان مقرراً في الأسبوع الأخير من فبراير/شباط 2026 من دون تحديد موعد جديد في ظل النقص الحاد في الوقود والانقطاعات.
ولم تبق الأزمة داخل شبكة الكهرباء فقط، بل وصلت إلى رئة الاقتصاد الكوبي التي اسمها السياحة.
وذكرت صحيفة فاينانشال تايمز، في 9 فبراير/شباط 2026، أن كوبا أبلغت شركات طيران دولية بأنها لا تستطيع تزويد الطائرات بوقود الطيران حتى 11 مارس/آذار 2026، وهو ما دفع شركات إلى تعليق رحلات أو تغيير خطط التزود بالوقود، كما أشارت الصحيفة إلى إغلاق بعض منشآت سلسلة ميليا الإسبانية لتقليل الاستهلاك.
وسط هذا الضغط، ظهرت تصريحات رسمية كوبية تتأرجح بين الطمأنة والتحذير.
ونقلت وكالة رويترز، في 7 فبراير 2026، عن وزير التجارة أوسكار بيريث أوليفا قوله في برنامج إخباري تلفزيوني إن" ما يحدث فرصة وتحد وسيتم تجاوزه وإن البلاد لن تنهار"، كما شدد على أن" توفير الوقود لقطاعات تجلب العملة الصعبة مثل السياحة وصناعة السيجار ضروري لأن غياب الدخل يعني استحالة تجاوز الوضع.
وفي خط مواز، أفادت وكالة رويترز في 5 فبراير/شباط أن الحكومة الكوبية تتجه إلى تقنين الوقود مع محاولة زيادة الطاقة الشمسية ورفع استخراج النفط المحلي في الوقت نفسه، على أمل الحصول على مساعدة خارجية من حلفاء.
وفي هذا السياق، نقلت رويترز، الخميس الماضي، أن موسكو تناقش المساعدة وأن شحنات نفط ومنتجات نفطية قد تُرسل قريباً، مع التذكير بأن آخر توريد روسي كان في فبراير/شباط 2025، وهو ما يعني أن أي دعم محتمل لا يزال مرتبطاً بالسياسة وبالقدرة اللوجستية وبثمنه.
في المقابل، جاءت رسائل أميركية تحذيرية صريحة عززت القلق حول أفق الأزمة.
إذ هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم على صادرات أي دولة تبيع وقوداً إلى كوبا، وتحدث عن أوقات صعبة قادمة للكوبيين الذين يعانون أصلاً من نقص الغذاء والوقود والدواء.
وذكرت وكالة أسوشييتد برس، أول من أمس السبت، أن تهديد الرسوم كان من أسباب توقف شحنات من دول كانت تؤمن جزءاً من الوقود، وأن شحنات من فنزويلا ألغيت بعد التطورات السياسية هناك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك