عمان - حين تتحول المساعدة إلى وصاية في حياة الكفيف، فإنها لا تعود من باب الدعم أو التضامن، بل تصبح قيدا خفيا يغلف السيطرة بحجة الحماية.
المساعدة أصلها اعتراف بالإنسان وحقه في الدعم عند الحاجة، أما الوصاية فهي افتراض عجز دائم ومصادرة للقدرة على التعلم من الخطأ وخوض التجربة وصناعة الاختيار.
اضافة اعلان.
الكفيف، كغيره من الناس، يبني خبرته عبر المحاولة والخطأ.
حين يمنع من التجربة بحجة الخوف عليه يحرم من أن يتعثر وينهض كالآخرين.
الخطأ ليس فشلا بل وسيلة لمعرفة الطريقة التي يكتشف بها الإنسان حدوده وإمكاناته معا، فإذا تدخل الآخرون في كل خطوة يختارون عنه ويقررون بدلا منه ويمنعونه من المخاطرة، فهم لا يحمونه بقدر ما يضعفون ثقته بنفسه ويزرعون داخله شكا دائما في قدرته على إدارة حياته.
حمزة (30 عاما) كان شغوفا بالأدب منذ طفولته، كان يحلم بدراسة الإعلام والعمل في الإذاعة، لكن أسرته رأت أن هذا المجال صعب على كفيف وأن الأفضل له دراسة تخصص آخر أقل تعبا ومخاطرة، فكان القرار أن يدرس التاريخ رغم عدم اقتناعه بذلك.
يقول" لم يسمحوا لي بأن أرى الحياة من زاويتي"، بل قيدوا طموحه وإمكاناته، ومع الوقت أصبح هذا الحرص الزائد سجنا نفسيا يمنع حمزة من أن يعيش برؤيته هو بل ضمن توقعات عائلته ونظرتهم المحدودة.
حمزة، كأي شاب آخر، كان يريد أن يختبر قدراته ويتعرف على نقاط قوته، وأيضا نقاط ضعفه لكي يحدد طريقه ويبدع في المجال الذي يحبه، وبدلا من أن يحرروه من أعباء مهنة الإعلام قرروا مصادرة حلمه وكأنهم أوصياء على قراراته، فكانت النتيجة أن حمزة تخرج وهو يحمل شهادة لا تشبه طموحه وتطلعاته المستقبلية، وكل ذلك لأن عائلته تريد أن تحميه بواقعيتها الوهمية.
وتعيش ليلى المعاناة ذاتها، فهي كفتاة كفيفة تجد نفسها ممنوعة من أن تخوض تجاربها باستقلالية وبعيدا عن الخوف الزائد غير المبرر في أغلب الأحيان.
تقول إن دخولها إلى الجامعة لم يغير شيئا في معاملة أهلها لها، بل أصبحوا يحاصرونها أكثر ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة كما لو أنها ما تزال طفلة.
هي تحب كثيرا المشاركة في الأنشطة الجامعية وتكوين صداقات جديدة تزيدها خبرة وصلابة، لكن كل ذلك كان ممنوعا عليها لأن عائلتها قررت أن تراقب كل خطواتها، بل وأكثر من ذلك، أن تلغي شخصيتها وتتولى هي إدارة حياتها وتحديد من يستحق أن يقترب منها ومن لا يستحق، والحجة جاهزة خوفهم عليها من أن تستغل أو تخدع.
كبرت ليلى وهي تشعر أن الآخرين أقدر منها على تقييم الناس، لم تتح لها مساحة لتخطئ في اختيار صديقة أو تكتشف بنفسها من يستحق ثقتها.
الوصاية هنا لم تقصيها فقط عن حياتها، بل صادرت حقها في أن تكون مستقلة تختار ما تراه مناسبا لها وحتى لو أخطأت، فذلك لا ينقص منها بل يمنحها قوة نفسية ضد الخيبات.
خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم، تبين أن المساعدة تتحول إلى وصاية عندما يسلب الكفيف حقه في اتخاذ قراراته اليومية، الصغيرة قبل الكبيرة، حين يفترض أنه غير قادر على الاختيار، لا لأن الواقع يثبت ذلك، بل لأن الصورة النمطية المترسخة في الوعي الجمعي تصوره دائم الحاجة إلى من يقرر عنه.
في هذه اللحظة، لا يعود الدعم فعل تمكين، بل يصبح إعادة إنتاج لعلاقة سلطة غير متكافئة، يوضع فيها الكفيف في موقع التابع لا الفاعل.
الإفراط في الحماية، وفق إبراهيم، يسلب الكفيف حقه الطبيعي في الخطأ، والخطأ هنا ليس فشلاً بل أداة تعلم ونضج وبناء خبرة، كما هو حال أي إنسان آخر.
حين نمنعه من التجربة خوفاً عليه فإننا لا نحميه، بل نحرمه من واحدة من أهم آليات التكوين النفسي والاجتماعي أن يختبر، أن يجرب، أن يخفق، ثم يتعلم.
مجتمع يمنع الكفيف من الخطأ، هو مجتمع يمنعه من النمو.
النوايا الطيبة تتحول لممارسة إقصائية.
المفارقة أن المجتمع يسهم في إضعاف استقلالية الكفيف حين يفترض مسبقاً عجزه عن التجربة.
هذا الافتراض المسبق لا ينبع من الواقع، بل من الخيال الاجتماعي المرتبط بالإعاقة، حيث ينظر إليها كهوية كلية تختزل الإنسان في نقص واحد، وتسقط عنه باقي قدراته ومهاراته وطاقاته.
وهكذا تتحول النوايا الطيبة إلى ممارسة إقصائية ناعمة، لا تقصي جسدياً، بل نفسياً واجتماعياً.
وكما تقول إبراهيم، فإن منع الكفيف من المجازفة في كثير من الأحيان لا يعكس خوفاً عليه بقدر ما يعكس خوف المجتمع نفسه من تحمل مسؤولية النتائج، خوف من الإحساس بالذنب إن أخفق، وخوف من مواجهة فكرة أن الكفيف كائن مستقل قد يختار خيارات لا نراها آمنة من منظورنا.
هنا تتحول الوصاية إلى آلية دفاع اجتماعي لا لحمايته هو بل لحماية ضمير المجتمع من القلق.
الوصاية المستمرة تترك أثراً عميقاً في صورة الكفيف عن ذاته، إذ تضعف ثقته بقدرته على الاختيار، وتغذي داخله شكاً دائماً في قراراته، وتنتج شخصية مترددة، لا لأنها عاجزة بل لأنها تعلمت اجتماعياً أنها غير مؤهلة للاختيار.
ومع الزمن قد يتحول هذا الخطاب الخارجي إلى خطاب داخلي، فيعيد إنتاج التبعية من الداخل من دون حاجة إلى ضغط مباشر.
وهنا كما تقول إبراهيم، يظهر الفرق الجوهري بين أن نرافق الكفيف في تجربته، وأن نعيش التجربة بدلاً عنه.
المرافقة تعني أن نكون سنداً لا بديلاً، دعماً لا وصياً، حضوراً لا سيطرة.
أن نترك له القرار، ونبقى بجانبه في النتائج، لا أن ننتزع القرار بحجة الحماية.
أما العيش بدلاً عنه فهو سلب صريح لحقه في الوجود كفاعل اجتماعي مستقل.
إعادة تعريف مفهوم المساعدة تبدأ من تحويلها من منطق الشفقة إلى منطق الحقوق، ومن منطق الحماية إلى منطق التمكين، ومن ثقافة النيابة إلى ثقافة المشاركة.
المساعدة الحقيقية هي التي تحفظ كرامة الكفيف، تعترف بحقه في الخطأ، وتمنحه مساحة التجربة، من دون أن تتركه وحيداً، ومن دون أن تحاصره بالوصاية.
وتبين إبراهيم أن المجتمع العادل ليس الذي يحمي أفراده من السقوط فقط، بل الذي يعترف بحقهم في الوقوف وحدهم، في التجربة وفي الخطأ وفي النهوض من جديد.
لأن الكفيف، قبل أن يكون حالة تحتاج دعماً، هو إنسان كامل الأهلية الاجتماعية، يملك الحق في أن يعيش حياته بخياراته، لا بخيارات الآخرين عنه.
الاستشاري النفسي الأسري الدكتور أحمد سريوي يرى أن المساعدة في حياة الشخص الكفيف ضرورة إنسانية، لكنها قد تنقلب -من دون قصد- إلى وصاية تحد من استقلاله النفسي وتضعف ثقته بذاته.
الفارق بين الدعم والوصاية يكمن في سؤال بسيط: هل نمكنه ليختار ويجرب ويخطئ، أم نقرر عنه بدافع الحماية؟الإنسان يتعلم من التجربة، وينمو من الخطأ، ويبني شعوره بالكفاءة من خلال المحاولة.
وعندما يحرم الكفيف من هذه المساحة، تتأثر صحته النفسية وصورته عن ذاته على المدى البعيد.
الوصاية المستمرة تضعف الكفاءة الذاتية، وفق سريوي، أي اعتقاد الفرد بقدرته على النجاح واتخاذ القرار.
عندما يتخذ القرار عنه مرارا، يتعلم ضمنيا أن الآخرين" أدرى" بقدرته، فتتراجع ثقته بخياراته، ويصبح أكثر ترددا واعتمادا على الآخرين.
الخطأ جزء أساسي من التعلم.
حرمان الفرد منه يرسخ تجنب المخاطرة ويولد قلق المبادرة.
مع الوقت، يتكون خوف داخلي من التجربة خشية الفشل أو اللوم، فينخفض الدافع للاستكشاف والاستقلال.
هذا وتتأثر صورة الذات برسائل البيئة، يقول سريوي، عندما تتخذ القرارات عنه" لحمايته"، قد يفسر ذلك بأنه غير قادر، فتتكون صورة ذاتية قائمة على العجز النسبي، حتى لو كانت قدراته الفعلية أعلى بكثير.
وقد تؤدي المساعدة الزائدة إلى العجز المتعلم؛ حيث يتعلم الفرد أن جهده لا يغير النتيجة لأن الآخرين يتولون كل شيء، فيتراجع السعي، وتقل المبادرة، ويزيد الاعتماد على الآخرين حتى في المهام التي يستطيع أداءها.
ربط الأمان بالطاعة يعزز الاعتمادية ويقيد الاستقلالية ويشعر الفرد أن" السلامة" مرهونة باتباع الآخرين لا بقراراته، ما يضعف نموه النفسي ويزيد القلق عند غياب من يوجهونه.
التجربة الشخصية تبني التنظيم الانفعالي والاستقلال العاطفي عند غيابها، يضعف تحمل الإحباط، وتقل القدرة على اتخاذ قرارات عاطفية ناضجة، لأن الفرد لم يختبر نتائج اختياراته بنفسه.
الوصاية المزمنة قد تولد إحساسا بفقدان السيطرة وترفع مستويات القلق عندما يشعر الفرد أن حياته تدار من الخارج، يتراجع شعوره بالقدرة على التأثير، ما ينعكس توترا وخوفا من المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك