مادبا– لم تكن الندوة التي احتضنتها مدينة مادبا مجرد لقاء ثقافي عابر، بل بدت كحالة إنسانية وفكرية متكاملة، حاولت أن تلامس القلق العميق الذي يعيشه الإنسان المعاصر، وأن تعيد طرح أسئلة الذات والعيش المشترك بلغة قريبة من القلب والعقل معا.
ففي مكتبة كون، اجتمع الحضور على فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة العمق في جوهرها: كيف يمكن للإنسان أن يعيش بسلام مع نفسه أولا، ومع الآخرين ثانيا، وسط عالم يزداد توترا وضغطا وتسارعا.
اضافة اعلان.
واستهلت الندوة بكلمة ترحيبية لرئيس لجنة بلدية مادبا الكبرى المهندس هيثم جوينات، أكد فيها أن الثقافة ليست نشاطا ثانويا أو ترفا موسميا، بل ركيزة أساسية في بناء الإنسان وتعزيز التماسك المجتمعي.
وأشار إلى أن بلدية مادبا الكبرى تسعى إلى جعل الثقافة جزءا من الحياة اليومية للمواطن، وأداة للحوار والتلاقي وتكريس قيم التسامح والانتماء، مؤكدا أن مادبا بما تحمله من تنوع اجتماعي وتاريخي قادرة على إنتاج مشهد ثقافي حي ومتوازن.
ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحا أن الأمسية لا تنتمي إلى القوالب التقليدية للمحاضرات، بل تتجه إلى كسر الحواجز النفسية بين المتحدث والجمهور، وتحويل الندوة إلى مساحة تفاعلية مفتوحة.
وهو ما انعكس في طبيعة الحوار الذي ساد القاعة، حيث تداخلت الضحكات مع الأسئلة، والتجارب الشخصية مع الأفكار العامة، في مشهد اقرب إلى جلسة تأمل جماعي، تعيد تعريف العلاقة بين الثقافة والناس.
وخلال المحاضرة، قاد الفنان الأردني القدير نبيل صوالحة، الحضور في رحلة إنسانية متعددة المستويات، تنقل فيها بسلاسة بين الكوميديا والتجربة الشخصية والتأمل الفلسفي.
لم يقدم الضحك بوصفه هروبا من الواقع، بل كأداة واعية لمواجهته، وكوسيلة لفهم الذات وتخفيف الأحمال النفسية التي يراكمها الإنسان دون أن يشعر.
وتحدث صوالحة مطولا عن البسمة بوصفها سلوكا يوميا مقاوما، وعن الضحك كفعل شجاعة وقدرة على الاعتراف بالهشاشة الإنسانية.
وأكد أن السلام الداخلي لا يولد صدفة، بل يحتاج إلى مصالحة صادقة مع الذات، والى شجاعة في مواجهة الخوف والقلق والإخفاقات، مشيرا إلى أن كثيرا من الصراعات مع الآخرين تنبع من صراعات غير محلولة داخل النفس، وأن الإنسان حين يفهم ذاته يكون أكثر قدرة على تفهم الآخر.
وفي سياق حديثه عن التوازن النفسي والجسدي، تطرق صوالحة إلى بعض التجارب الإنسانية العالمية، ومنها ممارسات اليوغا الهندية وتمارين التنفس العميق، باعتبارها وسائل تساعد الإنسان على تهدئة الجسد والعقل معا.
وأشار إلى أن التنفس الواعي والضحك المنتظم يسهمان في تنشيط الجسد وتحريك الخلايا وبعث الطاقة الإيجابية، ويعززان القدرة على مقاومة التوتر والضغوط، مؤكدا أن الضحك لا يقدم كعلاج طبي بديل، بل كأسلوب حياة صحي يرفع من جودة الحياة ويقوي المناعة النفسية.
وفي حديثه عن الفن، بدا المسرح حاضرا بوصفه تجربة وجودية لا مجرد خشبة وأضواء.
استعاد صوالحة محطات أساسية من مسيرته في الدراما والكوميديا، وتوقف عند المسرح السياسي الساخر بوصفه مساحة للاشتباك الواعي مع الواقع، حيث يتحول الضحك إلى أداة مساءلة، والى مرآة تكشف التناقضات الاجتماعية والسياسية دون مباشرة أو خطابية.
وأكد أن الكوميديا الحقيقية تحمل موقفا أخلاقيا وإنسانيا، وتتطلب وعيا عميقا ومسؤولية عالية تجاه الناس والقضايا.
كما تناول صوالحة كتابه" حياة خارج العلبة" بوصفه خلاصة تجربة انسانية وفكرية، موضحا أن الكتاب لا يقدم وصفات جاهزة، بل يدعو القارئ إلى كسر القوالب الجاهزة والخروج من الأدوار المفروضة اجتماعيا.
وأوضح أن" العلبة" ليست مكانا ماديا، بل نمط تفكير وسلوكا يقيّد الإنسان ويمنعه من التعبير عن ذاته بحرية، وأن التحرر منها هو الخطوة الأولى نحو السلام الداخلي الحقيقي.
وتولى إدارة الندوة رئيس رابطة الكتاب الأردنيين فرع مادبا، الشاعر والمخرج المسرحي علي أحمد الشوابكة، الذي أبدع في تقديم الندوة وإدارتها بحس ثقافي عال، جامع بين العمق والهدوء، وموجها الحوار بذكاء أتاح للضيف استعراض تجربته بسلاسة، وللحضور المشاركة الفاعلة وطرح الأسئلة، في مشهد عكس خبرته المسرحية والثقافية وقدرته على ضبط إيقاع النقاش دون مقاطعة أو وصاية.
وشهدت الندوة مداخلات غنية من الحضور، تنوعت بين أسئلة فكرية وتجارب شخصية، ما منح اللقاء بعدا إنسانيا إضافيا، وحوّل القاعة إلى مساحة اعتراف هادئ وتشارك وجداني، حيث بدت الثقافة فعلا حيا لا خطابا نظريا.
واختتمت الأمسية على قناعة مشتركة بأن السلام مع النفس ليس شعارا مثاليا، بل ممارسة يومية تبدأ من الإصغاء، وتمتد إلى الفهم، وتنتهي بقدرة الإنسان على أن يكون أخف على نفسه وعلى الآخرين، وأن الضحك حين يقترن بالوعي يتحول إلى ثقافة حياة وموقف إنساني.
وفي ختام الندوة، قدم المهندس هيثم جوينات درعا تكريمية للفنان نبيل صوالحة، ودرعا أخرى للدكتور علي احمد الشوابكة، تقديرا لدورهما الثقافي والفكري، ولما قدمته الأمسية من قيمة معرفية وإنسانية عميقة لمدينة مادبا وجمهورها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك