العقبة - انقشع الغبار الذهبي الذي غطى سماء" وادي القمر" لأيام، وهدأت هدير المحركات، لكن الصدى الذي خلفه" باها الأردن 2026" في وجدان مدينة العقبة وشبابها لم يهدأ بعد.
اضافة اعلان.
اليوم، ونحن نطوي صفحة نسخة استثنائية من هذا الحدث العالمي، نقرأ النتائج بلغة الأثر والقيمة المضافة، فلقد أثبتت الأيام القليلة الماضية أن ما يحدث في عمق الصحراء هو" منتج رياضي سياحي" متكامل الأركان، أعاد صياغة العلاقة بين" الثغر الباسم" وظهيره الصحراوي، وحوّل شغف الشباب العقباوي من طاقة كامنة إلى مشروع وطني ملهم.
.
المشهد البانورامي: أكثر من مجرد رمال.
عندما نتحدث عن" المنتج الرياضي السياحي"، فإننا نعني تلك الخلطة السحرية التي نجحت العقبة من خلال الأردنية للسيارات في تقديمها للعالم خلال باها 2026، ليشهد الزائر والسائح والمتابع عبر منصات التواصل الاجتماعي والشاشات صراع الإرادة البشرية مع قسوة الطبيعة في واحد من أجمل مضامير العالم وأكثرها تعقيدا ونموذجا حيا لكيفية استثمار الجغرافيا، فالتضاريس التي كانت عائقا في الماضي، تحولت اليوم إلى" رأسمال" اقتصادي ورياضي بتحول نوعي وهو ما ميز نسخة 2026، حيث تكاملت الأدوار بين القطاعين العام والخاص، والمجتمع المحلي، ليخرج السباق بصورة تتجاوز المفهوم التقليدي للرياضة، وتلامس مفهوم " التنمية المستدامة".
.
سفراء المدينة: حينما يصبح الفريق" هوية" .
لم يكن مشهد سيارات الدفع الرباعي التي تحمل شعارات" فريق العقبة أوف رود رايدرز" وفريق" سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة (ASEZA)" استعراضا للقوة الميكانيكية، إنما كان تجسيدا لروح المدينة الجديدة.
لقد تابعت" الغد" عن كثب كيف تحول هؤلاء الشباب من هواة يمارسون شغفهم في عطلات نهاية الأسبوع إلى محترفين يدركون معنى الالتزام والتخطيط والعمل الجماعي.
يقول رئيس فريق العقبة أوف رود رايدرز يوسف هلالات: " لقد جئنا إلى وادي رم ونحن نحمل على عاتقنا مسؤولية مزدوجة؛ مسؤولية المنافسة الرياضية الشريفة، ومسؤولية تمثيل مدينتنا بأبهى صورة"، مؤكدا أنه بعد أن صمتت المحركات، أستطيع القول بملء الفم: " العقبة ولادة، وشبابها قادرون على تطويع الحديد والصخر، وإن مشاركتنا جاءت لنقول للعالم إن العقبة وجهة رياضية سياحية متكاملة، تملك الكوادر البشرية كما تملك الطبيعة الخلابة".
سيمفونية الأسماء: أبطال كتبوا حكايتهم.
في تفاصيل السباق الذي انتهى أمس، برزت أسماء عقباوية حفرت حضورها عميقا في الذاكرة، سائقين وملاحين و" قادة عمليات" في الميدان، فلقد برز المتسابق عبدالرحمن أبو الرب وأيهم أيوب وهما يروّضان وحش" دودج رام" في مقاطع صخرية تتطلب دقة الجراحين، ورأينا كيف تعامل محمود أسعد وأبان النميرات مع تحديات التضاريس بسيارة" جيب رانجلر" بروح قتالية لا تعرف اليأس، وكان لافتا ذلك التناغم بين سفيان الفرجات ومحمد الحلحولي على متن" جيب شيروكي"، حيث تحولت لغة الإشارة بينهما إلى طوق نجاة في اللحظات الحرجة.
القائمة تطول لتعكس حالة من الزخم؛ أحمد الصالح وسعد ملايشة اللذان قدما أداء لافتا على متن" فورد"، والثنائي حذيفة شاهين وخالد الجيلاني اللذان راهنا على صلابة" تويوتا هايلكس"، بالإضافة إلى الروح العالية التي أظهرها حسن صبيح وأحمد الجفوت، وزملاؤهما عمر شويكة ونبيل أسعد، الذين تبادلوا الأدوار والخبرات في قيادة" دودج رام" في مراحل مختلفة، مؤكدين أن الفوز الحقيقي هو وصول الجميع بسلام واكتساب الخبرة.
البعد المؤسسي: (ASEZA) تراهن وتكسب.
على الضفة الأخرى، قدم فريق سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة (ASEZA) نموذجا يحتذى به في الدعم المؤسسي، فمشاركة محمد الحمايدة ومحمد بدر على متن جيب رانجلر، وعاصم عارف وموسى جهريان على متن سوزوكي جيمي، كانت رسالة سياسية واقتصادية واضحة أن سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة لا تلعب فقط دور الراعي المالي بل تعدَّت ذلك الدور بـ" صانع الإستراتيجية".
يقول المتسابق محمد الحمايدة، ممثل فريق سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، إن الفريق يمثل رؤية ملكية واستراتيجية وطنية، مؤكدا أن رؤية الفريق هي أن العقبة يمكن أن تكون مركزا إقليميا لرياضات المغامرة من خلال هذه السباقات التي تعد استثمارا يضيف بعدا سياحيا جديدا للمدينة، ويجذب نوعية مختلفة من السياح - سياح المغامرة والنخبة - الذين يبحثون عن تجارب حقيقية لا تُنسى.
القيمة النوعية: ما الذي تغير في العقبة؟ويشير الخبير السياحي الدكتور محمد العمري إلى أن سباق" باها الأردن" أخرج العقبة من عباءة السياحة الشاطئية التقليدية، وأصبح للمدينة" روزنامة" سنوية يترقبها العالم، مؤكدا أن هذا التنوع يحمي القطاع السياحي من الركود الموسمي ويخلق حراكا اقتصاديا في الفنادق والمطاعم وخدمات النقل واللوجستيات، بالإضافة إلى أن السباق رسخ مفهوم الوجهة الواحدة؛ حيث إن المتسابق أو السائح يبدأ يومه في البحر ويقضي نهاره في صراع مع رمال وادي رم، وربما يختم رحلته في البترا.
وهذا الربط الجغرافي عبر الرياضة هو أذكى أنواع التسويق السياحي، إلى جانب وجود فرق محلية، مما يعني وجود ورش صيانة متخصصة، وميكانيكيين محترفين، وخبراء في الملاحة وقراءة الخرائط، مبينا أن العقبة اليوم باتت تمتلك بنية تحتية بشرية قادرة على إدارة وصيانة مركبات الراليات المعقدة، وهو ما يفتح بابا لفرص عمل جديدة للشباب المهني.
" أيلة" حاضنة الختام: منصة عالمية تليق بأبطال الصحراء.
وأكد مدير العلاقات العامة في واحة أيلة منصور الكباريتي أن احتضان" أيلة" لفعاليات باها الأردن 2026، وصولا إلى حفل الختام والتتويج، يجسد رؤية الشركة في أن تكون منصة وطنية عالمية للرياضة المستدامة، مؤكدا أن واحة أيلة جزء حيوي من نسيج العقبة ومستقبلها، لا سيما أن استضافتنا لحدث بحجم باها الأردن وتسخير كافة مرافقنا اللوجستية والخدمية لإنجاحه، ينبع من إيماننا العميق بمفهوم" المنتج السياحي الرياضي المتكامل"، لنقدم للمتسابقين وللعالم مشهدا استثنائيا تلتقي فيه قسوة التحدي في الصحراء مع رقيّ البنية التحتية وجمالية المكان في أيلة لحظة التتويج، مبينا أن تحول مرافق أيلة إلى نقطة ارتكاز للبطولات المحلية والدولية هو ترجمة لالتزامنا بدعم القطاع الرياضي وتوفير بيئة حاضنة تليق بطموحات الشباب الأردني.
فلسفة الصحراء: مدرسة أخلاقية للشباب.
يروي المتسابق عبدالرحمن أبو الرب فلسفته الخاصة حول السباق: " وادي رم كائن حيّ له كبرياء، وعلى المتسابق أن يفهم تضاريسه ويحترمها لينجو"، مؤكدا أن مشاركة المتسابق والملاح تعني أنك تختبر نفسك وصبرك وقدرتك على اتخاذ القرار في جزء من الثانية قبل أن تختبر قوة محرك سيارتك.
ويضيف المتسابق أيهم أيوب حول التحول من الهواية للاحتراف: " كنا في البداية نشارك بدافع الشغف المحض، واليوم نشارك بعقلية احترافية؛ حيث ندرس المسارات ونحلل استهلاك الوقود ونتعامل مع الأعطال ببرود أعصاب، وطموحنا بات يتجاوز المشاركة لمنصات التتويج الإقليمية والدولية".
من أجمل المشاهد التي رصدتها" الغد" خلال أيام السباق، كانت تلك الحالة من التلاحم المجتمعي؛ حيث إن السائقين لم يكونوا وحدهم في الميدان، كان خلفهم جيش من الداعمين: عائلاتهم وأصدقاؤهم والمتطوعون من أبناء العقبة، وحتى أصحاب الورش الصغيرة.
يقول سفيان الفرجات إن أجمل ما في المشاركة أننا نشعر بأن المدينة كلها خلفنا، حين نعود إلى مرآب الصيانة، نجد أطفالا يلتقطون الصور وشبابا يسألون بشغف: كيف يمكننا أن نصبح مثلكم؟ وهذا الإلهام هو الإنجاز الحقيقي.
ومع إسدال الستار على باها 2026، تتجه الأنظار الآن نحو المستقبل، وتطمح العقبة لتصدير الأبطال والخبرات التنظيمية، والحديث يدور الآن في أروقة الفرق العقباوية عن التجهيز لبطولات أخرى وعن استقطاب رعايات دولية بعد وضع الأساس بمتانة، والتجربة أثبتت نجاحها.
يختم هلالات حديثه لـ" الغد" برؤية استشرافية: " حين ينطلق هدير محركاتنا في وادي رم، نشعر أننا نكتب صفحة جديدة في تاريخ العقبة الحديث ونؤسس لتقليد سنوي سيكبر معنا ويكبر بأحلام شباب المدينة، والقادم هو أن نرى فريقا عقباويا خالصا ينافس في رالي داكار، وهذا ليس مستحيلا على من قهر رمال رم".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك