من المعروف أن النقد العربي القديم، كان قد تعرّف على مبادئ نقد النقد وتوجهاته بشكلها الأولي يوم دار حراك نقديّ حول كتاب «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لابن الأثير (637هـ) من دون أن يحضر المصطلح، فقد قدّم ابن أبي الحديد (656هـ) في كتابه «الفلك الدائر على المثل السائر»، فضلا عن الصفدي (764هـ) في كتابه «نصرة الثائر على المثل السائر».
خطابان محمّلان برؤى نقديّة انفتحت – حسب الناقدين- على جهل ابن الأثير في كثير من القضايا البلاغيّة، والنقديّة، التي تضمّنها كتابه، وقد قدّر لركن الدين الأصبهاني (650هـ) في كتابه «نشر المثل السائر وطي الفلك الدائر»، وعبد العزيز بن عيسى (القرن الثامن الهجري) في كتابه «قطع الدابر على الفلك الدائر» أن انتصرا لنقد ابن الأثير، وانتقصا ممّا كتبه ابن أبي الحديد، وذكر عبده عبد العزيز قلقيله، في كتابه «نقد النقد في التراث العربي»، دار المعارف: القاهرة: 1993: دارت سبعة كتب حول نقد كتاب ابن الأثير؛ بمعنى أنه كان عرضة لمادة (نقد النقد) كما نفهمها اليوم.
إن ما تحدّث به عبده عبد العزيز قلقيله، أفضى إلى تحديد معرفة أوليّة بطرائق نقد الكتب، واستعاد جوّا حواريّا أوّليّا في الثقافة العربية، كان معنيّا بمواجهة المؤلّف، وتحديد نقاط الاختلاف معه، مع غياب مصطلح (نقد النقد) في تلك الكتابات، التي حضرت فيها المبادئ الأولى، والإجراءات المبكّرة لفاعليّة (نقد النقد)، كما نفهمه اليوم، ولم يحضر المصطلح، ففي الثقافة النقديّة عادة ما تحضر الرؤى أولا، ثمّ يحضر في ما بعد المصطلح، واضحا تامّا يجوب فضاء المعرفة، وآفاق النقد، وهذا ما حدث لمصطلح (نقد النقد) الذي يدعو إلى المراجعة، والنقد المبني على نقد سابق، وفق مسوّغات، ووظائف مهمّتها التواصل التعبيري المُلقى على عاتق (ناقد النقد)، الذي تظهر شخصيّته في الخطاب من خلال جملة الإجراءات التي يعتمد عليها، كي يقترب من الناقد، والمتلقي على قدم المساواة، وهذا يعني أن (المصطلح) وإن تعدّدت رؤاه، واقتربت مجالاته فهو يعمل في نقد معلوم، وفق وظيفة ذات أهداف تتعلّق برؤية ناقد النقد، وأدواته، ومنهجه في القراءة، وهي مهمّة لا يمكن ضبطها بمعايير موحّدة؛ لأنّها متغيّرة، تختلف من ناقد إلى آخر، وتتحكّم بها الثقافة، وسعة الإجراء، وطبيعة النقد الذي يوجّه صوب المتن النقدي، فضلا عن طبيعة المتن النقدي نفسه.
حضر مصطلح نقد النقد في الثقافة العربية المعاصرة في مصر، إبان العشرينيات من القرن العشرين فقد كان عباس محمود العقّاد 1964 – حسب رأي بدوي طبانة، في كتابه «التيارات المعاصرة في النقد الأدبي» مكتبة الأنجلو المصرية – أول من استعمل مصطلح (نقد النقد) في مقدمة ديوانه «بعد الأعاصير» الصادر عام 1950، حين ربط المصطلح وتقرير ما يُقبل، أو ما لا يُقبل من آثار الأديب، أو الفنان بنقد النقد، أي أنّه ربط المصطلح بمفهومه الأولي الذي تعلّق بما كُتب عن نتاج الأديب في خطوة أراد بها العقّاد التفريق بين النقد، ونقد الخطاب النقدي، وهكذا حضر المصطلح في تاريخ الأدب العربي الحديث، نهاية النصف الأول من القرن العشرين، ليكون فاتحة لانتشار أكبر في الثقافة العربيّة.
أمّا في العراق فقد تبيّن لي بعد التحري، والتقصي أن الناقد علي جواد الطاهر، أول من تلقى مصطلح (نقد النقد) في العراق وتبناه حين نشر مقالته (الرد على النقد) في كتابه النقدي: «وراء الأفق الأدبي» الصادر عن وزارة الإعلام: بغداد: 1975، ومضمون مقالة الطاهر حديثه عن مقالته التي عنوانها: (قصّة الستينيات كانت صادقة) نشرها في جريدة «الجمهوريّة» البغداديّة، أعاد نشرها في كتابه (وراء الأفق الأدبي) في ما بعد؛ تلك المقالة مؤداها أن القصص العراقيّة التي كتبت ما بين عام 1965- وعام 1968 كانت قصص تمزّق، وضياع، وقرف، وغثيان، بفعل عوامل خارجيّة، وأخرى داخليّة، ثم قدّر لتلك الموضوعات القصصية أن أصبحت جزءا من الماضي وقد اعترف الناقد الطاهر بأنّ القصص كانت صادقة في التعبير عن (أزمة) كانت قائمة في الإنسان العراقي ومجتمعه، يوم ذاك، وأن القصاصين لم يكوّنوا في أعماقهم أعداء للوطن والإنسانيّة.
يبدو أن مقالة الطاهر السابقة لم تمرّ مرور الكرام في فضاء الثقافة العراقيّة المليء بالحركة، والرصد، والتأمل فقد تصدّى لها الناقد زهدي الداودي، حين نشر مقالته: (قصّة الستينيات هل كانت صادقة؟ ) في جريدة «الجمهورية» صفحة آفاق 23/ 2/ 1973، كانت مقالته ردّا نقديّا على مقالة الطاهر، وقد أبدى الأخير اعجابه بعلم الناقد، ومعرفته بالموضوع الذي تناولته المقالة كاشفا عن إخلاص الداودي للحقيقة، وحرصه على بيان ما يراه في دقة وأناة، وأدب، وقد شكر الطاهر، ناقد مقالته أكثر من مرة مرحّبا بـ(نقد النقد وكيف يكون)، وبالعبارة الأخيرة كشف الطاهر عن بلاغة تعلّقه بالنقد وتبعاته.
وردَ مصطلح (نقد النقد) واضحا وصريحا في كتاب (الطاهر) أربع مرات، مذيلا بعبارات دالة على سموّ أفكاره، وفي عبارة من تلك العبارات ذكر حقيقة آمن بها، مؤداها «هكذا يكون الردّ عن علم، وأدب من دون أن يمرّ بذهن المتصدي؛ أي ناقد النقد فكرة الردّ بأي ثمن، ومن دون تعمّل مؤداه خلاف سابق، وثأر قديم، وحقد دفين»، وبتلك العبارات كشف عن شجاعة ناقد النقد، الذي أحسّ بضرورة أن يكتب، وعَرَف واعيا كيف يكتب (وإلا لما كان لنقد النقد موجب)، وقد أشار الطاهر بدقّة عن تسامح المنقود، وهو ما كان عالقا في سيرته، وعنايته في كشف الحقيقة، واتّباع مسارها.
رأى الطاهر، وهو في معرض تسويغ نقد النقد: (أنّ المرء منّا ينتقد أثرا، أو يرصد ظاهرة بما يراه في نفسه صحيحا، وما يرى به نفسه مسؤولا أن يذيعه بين الناس.
الإنسان عرضة للخطأ حتى إذا انبرى من ينبهنا، استشطنا غضبا، وعددنا ذلك إهانة.
إن القعود عن نقد النقد مضرٌ كالقعود عن النقد نفسه.
وإن نقد النقد ينفع الناقد، ويقيه تكرار الخطأ)، ورأى أيضا أن النقد الذي كتبه الداودي، زاد من عمق مقالته، ومنحها اتساعا، وبتلك العبارة الموجزة أراد الطاهر أن يعلي من شأن (نقد النقد) بوصفه مواجهة صريحة بين الناقد، وناقد النقد، ثمّ أكبر الطاهرُ في أثر القارئ الاعتيادي في تلقي النقد، ونقد النقد، فهو عنده الأصل في الكتابة النقديّة بوصفه (حكما) له شأن في تقبّل القراءة النقديّة، ونشرها، والطاهر بتلك اللمحة الدالّة استثمرت وجود نقد على نقد، كي يعطي فرصة للمتلقي لأنْ يكون مشاركه القريب في بناء قناعة لا تتزعزع، هي جزء من حضور عناصر التلقي، فحضور القارئ ضمن أجواء انفتاح النصّ النقدي، وما وراءه وفّر للقارئ نفسه، وللناقد، وناقد النقد فرصة التدخل في اكتشاف مجريات النقد، والدخول إلى متن نقد النقد من أوسع الأبواب، واكتشاف ما يحمل من رؤى وأفكار، ويستطيع المتلقي أن يلتقط من فكرة (حضوره) التي اقترحتها مقالة (الطاهر) معاناة الناقد، وناقد النقد المنبثقة عن حاجة المتلقي الذي يحاول أن يجد تفسيرا مناسبا يربط بين(النقد)، و(نقد النقد)، فلا يجد غير ثقافته الرابضة خلف متن المقالة، ونقدها؛ تلك التي تكشف عنها طريقة تلقيه، وحرصه على إدامة الصلة مع الاثنين، لقد حرص الطاهر على أن يقفل مقالته بطريقة غير تقليديّة، أراد من خلالها أن تكون مفتوحة على شتّى الاحتمالات، احتراما للقارئ؛ ذلك الكائن الذي عدّه (أذكى من كاتب يستغبيهم، وأعلم من ناقد يستجهلهم).
لقد أكّد الطاهر في المقالة نفسها، أن ما جرى بينه وبين الداودي، خرج عن حدود القصّة الستينيّة، وما قال فيها، إلى فضاء آخر هو فضاء نقد النقد، وناقد النقد، ثمّ تساءل بقوّة عقله النقدي المنظم (لِمَ نخشى الرد؟ لِمَ نخشى نقد النقد؟ )، وفي تساؤله ذي التكرار الخارج إلى السبب، والعلة دعوة صريحة لتبنّي نقد النقد، وهو الناقد الجريء، والمخلص في كتابته، وطرح آرائه، فضلا عن إخلاصه في تقبل وجهة نظر الآخر، التي تجنّبه الاستمرار في النقصّ، وإن كانت كتابته صحيحة؛ ذلك درس مهم في أخلاق الكتابة النقدية وما بعدها.
لقد تعجّب الطاهر- وهو صاحب العقل النقديّ المدرّب على قول الحقيقة – في المقالة نفسها من أولئك الذين وجدوا في مقالة الداودي قدحا في نقده فقال: (ولأنهم يريدون أن يروا آثار الاستياء في فلان من رد فلان، الذي كان على الغاية من الإخلاص والأدب)، هنا قدّم الطاهر درسا آخر في علو شأن الناقد والنقد، وضرورة اقترابهما من الفضاء الثقافي المبني على الحوار، والمكاشفة، وتبادل الآراء، ثمّ استدرك في المقالة نفسها ليؤكد أن أحد الأصدقاء الكرماء بيّن نيابة عن القراء أهمية الكتابة في (نقد النقد) وأن ندرك قيمته، وأن نعتاده، وأن نرتقي إلى مستوى الأمم المتحضّرة في كلّ شيء.
قدّم الطاهر في نهاية المقالة درسا مهمّا في أخلاق الناقد المنقود فتحدّث عن نفسه بلغة الودّ التي تمنّى من خلالها لو أن نقطة الاختلاف كانت أشدّ بينه، وبين ناقد النقد لكان – والكلام للطاهر- ردّ الداودي أبلغ، وكان اعتراف (الطاهر) أوقع، وشكره أدلّ، فلناقد النقد من الناقد تحيّة، ولأمثاله ممن سيأتون تبعا في ما بعد.
وبعد: فإنّ جهودا حثيثة تريد لـ(نقد النقد) أن يمتلك وجودا خاصّا به، بعيدا عن (النقد) بوصفه معرفة تحيط بالنقد، وقراءة شاملة تنتمي إلى كون آخر، كون الثقافة النقديّة بمفهومها الذي نمارسه في الحياة، دون أن نعمد إلى نسيان النقد، فهو المقدّم أولا، وهو السبيل إلى نقد النقد بوصفه وعيا على وعي، وخطابا على خطاب، وقد خاض غمار القراءة برؤى وقفت عند العلوم الإنسانيّة المختلفة في سبيل العبور إلى بوابة الاجتهاد السابر للنقد، الذي يمتح من مرجعيّات مختلفة، وعينه ترنو نحو تحديث اللغة، والأدوات، والإجراءات من دون أن ينقطع عن حوار الآخر برغبة صوغ خطاب ينفتح على الذات بمقدار انفتاحها على العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك