على ضفاف النيل، في قلب الزمالك، وأمام برج القاهرة الذي يشق السماء بطوله، تقف شجرة ليست كغيرها من الأشجار.
لا يمرّ بها المارّة مرور العابرين، بل يتوقفون قليلًا، يرفعون رؤوسهم نحو أغصانها المتشابكة، يلتقطون صورًا، يلمسون جذعها العتيق، كأنهم يصافحون التاريخ نفسه.
إنها شجرة التين البنغالي، التي زُرعت عام 1868 بأمر من الخديوي إسماعيل، فصارت شاهدة على قرن ونصف من التحولات السياسية والاجتماعية والعاطفية في مصر.
هذه الشجرة ليست مجرد نبات معمر؛ إنها ذاكرة مدينة، ودفتر عشق مفتوح، وقطعة من زمن لم يعد إلا في الحكايات.
من الهند إلى النيل رحلة الجمال والظل.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان الخديوي إسماعيل يحلم بأن يجعل القاهرة “باريس الشرق”.
أراد مدينة تضاهي العواصم الأوروبية في تخطيطها وحدائقها وشوارعها الواسعة.
وفي إطار هذا المشروع الطموح، لم يكتفِ باستقدام المهندسين والمعماريين من أوروبا، بل أمر أيضًا بجلب نباتات وأشجار نادرة من أنحاء العالم.
ومن بين ما جُلب إلى مصر آنذاك، كانت شجرة التين البنغالي، القادمة من الهند.
اختيرت هذه الشجرة تحديدًا لما تتمتع به من جمال فريد وقدرة استثنائية على توفير الظل.
فهي شجرة ضخمة، ذات جذع عريض وأغصان تمتد أفقيًا في اتساع مهيب، تُلقي بظل كثيف أشبه بمظلة طبيعية تحتمي بها الأرواح قبل الأجساد.
عام 1868، استقرت الشجرة في موقعها الحالي بالزمالك، بالقرب من المكان الذي سيُقام فيه لاحقًا برج القاهرة.
لم يكن اختيار الموقع عشوائيًا؛ فالزمالك كانت آنذاك منطقة واعدة، تتحول تدريجيًا إلى حي راقٍ يطل على النيل، ويستقطب الطبقات الثرية والنخب السياسية والثقافية.
كان المكان مفتوحًا، قريبًا من الماء، يسمح للشجرة بأن تتمدد وتتنفس، وتثبت جذورها في تربة جزيرة شهدت تحولات مصر الحديثة.
155 عامًا من الشهادة على التاريخ.
عمر الشجرة اليوم يناهز 155 عامًا، ما يجعلها واحدة من أقدم الأشجار المعمرة في القاهرة.
عاصرت نهاية عصر الخديوي إسماعيل، ورأت الاحتلال البريطاني، ومرت عليها ثورة 1919، ثم قيام الجمهورية في 1952، وشهدت حروبًا وانتصارات، وتغيرات اجتماعية عميقة.
وقفت صامتة أمام مرور الملوك والرؤساء، وأمام مواكب رسمية وأخرى شعبية، وأمام أفراح وانكسارات.
ربما لم تكن تدري أنها ستصبح يومًا ما معلمًا من معالم الزمالك، لكن الزمن منحها هذه المكانة دون ضجيج.
وهي ليست وحيدة تمامًا في غربتها الهندية فهناك شجرة أخرى من نفس النوع في حديقة أنطونيادس بالإسكندرية، جاءت ضمن المجموعة نفسها التي أمر الخديوي إسماعيل بجلبها.
لكن شجرة الزمالك حظيت بشهرة أوسع، ربما لقربها من قلب العاصمة، وربما لأن العشاق اختاروها بيتًا لاعترافاتهم.
شجرة التين البنغالي أو ما يُعرف بالـ “Banyan Tree” تتميز بجذعها السميك وأغصانها التي تمتد أفقيًا لمسافات كبيرة، وقد تُنبت جذورًا هوائية تتدلى نحو الأرض، كأنها أذرع تبحث عن امتداد جديد للحياة.
أوراقها عريضة، خضراء داكنة، تمنح المكان إحساسًا بالسكينة.
لكن ما يميز شجرة الزمالك ليس فقط شكلها المهيب، بل جذعها الذي تحول إلى سجل مفتوح للحب.
فمع مرور السنوات، صار العشاق يأتون إليها، يحفرون أسماءهم، يرسمون قلوبًا، يكتبون تواريخ لقاءات، كأنهم يطلبون من الشجرة أن تحفظ لهم ما قد لا تحفظه الأيام.
تراكمت الكتابات فوق بعضها البعض، حتى بدا الجذع كأنه حقيبة ذكريات قديمة، ممتلئة بأسماء لا نعرف أصحابها، لكننا نعرف أنهم مروا من هنا ذات يوم، وتركوا أثرًا.
لم تُروَ أساطير قديمة محددة عن الشجرة في مصادر التاريخ، ولم تُنسج حولها حكايات فرعونية أو صوفية كما هو الحال مع بعض الأشجار المعروفة في مصر.
لكنها، بمرور الوقت، صنعت أسطورتها الخاصة.
موقعها أمام برج القاهرة جعلها نقطة جذب للزوار من داخل مصر وخارجها.
يأتي السياح لالتقاط الصور أمام البرج، فيجدون الشجرة بظلها الوارف، فتتحول الصورة إلى مشهد مزدوج: حداثة البرج وقدم الشجرة، صعود الحديد إلى السماء وثبات الجذور في الأرض.
ومع الوقت، صار العشاق يتعمدون زيارتها في عيد الحب، أو في ذكرى ارتباطهم، أو حتى بعد خلاف طويل يريدون طيّه تحت ظلها.
لا توجد خرافة تقول إن من يكتب اسمه عليها سيبقى حبه للأبد، لكن الإيمان الشعبي الصغير كافٍ ليمنح المكان روحه.
ورغم شاعرية المشهد، يطرح البعض تساؤلات حول الكتابات المحفورة على الجذع، وهل تؤذي الشجرة التي صمدت أكثر من قرن ونصف.
فبين الرغبة في تخليد الذكرى، والحفاظ على إرث طبيعي نادر، تبقى المعادلة حساسة.
لكن الحقيقة أن الشجرة، بكل ما عليها من آثار، ما زالت واقفة، تمد ظلها بسخاء، وتستقبل زوارها بصمت.
ربما لو كانت تتكلم لقالت إن الحب لا يحتاج إلى حفر عميق في الجذوع، بل إلى جذور أعمق في القلوب.
اليوم، تُعد شجرة التين البنغالي واحدة من أبرز علامات حي الزمالك، شأنها شأن برج القاهرة أو دار الأوبرا أو ضفاف النيل.
يحرص كثير من المصورين على إدراجها في لقطاتهم، خصوصًا في أوقات الغروب، حين يتسلل الضوء بين أغصانها فيصنع مشهدًا أقرب إلى لوحة زيتية.
ويأتي إليها الناس من مختلف أنحاء العالم، ليس فقط لالتقاط صورة، بل لملامسة فكرة الاستمرارية؛ أن يبقى شيء ما ثابتًا في مدينة تتغير كل يوم.
في عيد الحب، قد تتزين الشرفات بالورود الحمراء، وتتبادل القلوب الهدايا، لكن شجرة الزمالك تظل بطريقتها الخاصة تحتفل بالحب كل يوم.
لا تحتاج إلى زينة، ولا إلى موسيقى صاخبة.
يكفيها أن يقف تحتها اثنان يتشاركان حلمًا، أو يلتقطان صورة، أو يبتسمان.
منذ 1868 وحتى اليوم، لم تتوقف الشجرة عن النمو، ولم تنسَ أن تمنح الظل لكل من اقترب.
وبين جذورها الممتدة في أرض الجزيرة، وأغصانها التي تعانق السماء، تظل شاهدة على أن بعض القصص لا تُكتب بالحبر، بل تُنقش في الخشب… وتعيش.
إنها شجرة عاصرت الملوك والرؤساء والثورات والحروب، لكنها اختارت أن تُخلَّد باسم أبسط وأجمل شجرة الحب في الزمالك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك