في ليلة عاصفة من شهر ديسمبر، وسط احتدام الصراع في سوريا واقتراب فصائل المعارضة المسلحة من العاصمة دمشق، ظهرت معلومات مثيرة عن فرار بشار الأسد.
وفي نفس يوم دخول المعارضة المسلحة إلى العاصمة دمشق، نشرت وكالة “روسيا اليوم”، خبرا عن وصول بشار الأسد إلى روسيا برفقة عائلته.
لكن، قبل ذلك بعدة ساعات وتحديدا بعد منتصف ليل يوم السابع من ديسمبر، كان فريق “إيكاد” قد رصد باستخدام إحدى منصات الملاحة الجوية رحلة مثيرة للارتياب بين مطار دمشق ومدينة حمص، قامت بها طائرة عسكرية من طراز IL-76.
في هذا التحقيق، تكشف “إيكاد” هوية طائرة سورية ذات نشاط جوي مشبوه، يكشف العلاقات التي جمعت بين نظام بشار وروسيا والسودان وليبيا.
طائرة مريبة ذات هوية عسكرية ونشاط مشبوه.
عبر موقع الملاحة الجوية Flight Radar تتبع فريق “إيكاد” طائرة من طراز IL-76 قامت برحلة مثيرة للريبة بين دمشق وحمص في الليلة التي سبقت الإعلان عن فرار بشار الأسد من العاصمة السورية دمشق، فكانت تحمل الكود YK-ATA وتتبع لشركة الخطوط الجوية السورية Syria Airline أو السورية للطيران، وهي شركة حكومية تابعة للنظام السوري، بحسب ما دل عليه الشعار المطبوع على الطائرة وكود تسجيلها YK-ATA والذي أكدته قواعد بيانات مواقع الملاحة المتخصصة.
إذ أقلعت الطائرة قبل فجر يوم الأحد الثامن من ديسمبر بقليل، بالتزامن مع وصول فصائل المعارضة السورية مشارف العاصمة السورية دمشق، غير أنها قامت بتضليل برامج الملاحة الجوية، فأخفت معلومات الإقلاع والوجهة، ولكن تتبع المسار اليدوي للرحلة كشف أنها توجهت نحو مدينة حمص وقد اخفت إشارتها بالقرب من قرية الربوة بعد أن خفضت ارتفاعها إلى 1625 قدم.
وبمسح تلك المنطقة بحثًا عن أي مطارات عسكرية، تبين أن أقرب مطار خاضع لسيطرة النظام للنقطة التي اختفت عندها إشارة الطائرة على برامج الملاحة الجوية، وهو مطار “الضبعة العسكري” في مدينة القصير التي كانت المجموعات المسلحة التابعة للمعارضة السورية تقترب منها آنذاك، ما يجعل هبوطها في هذا المطار أمر مستبعد.
فيما أشارت استخبارات الدفاع الأوكرانية أن اختفاء إشارة الطائرة كان متعمد من طاقم الطائرة بناء على طلب روسي للتغطية على الرحلة، وأن الطائرة واصلت تحليقها تحت إشراف روسي.
فأين ذهبت الطائرة؟وجهات أخرى مريبة للطائرة السورية.
للوصول إلى إجابة حول الوجهة الحقيقة للطائرة السورية، قام فريق “إيكاد” بمراجعة أرشيف الطائرة خلال الأيام الأخيرة عبر برنامج Flight Radar، الذي كشف أنها وبالتزامن مع اقتراب فصائل المعارضة السورية من العاصمة السورية دمشق، وتحديدًا في السادس من ديسمبر، قامت برحلة أخرى مثيرة للارتياب.
إذ قامت الطائرة بإخفاء معلومات الإقلاع، ووضعت دمشق كوجهة مضللة، ولكن تتبع مسار الرحلة يدويا كشف أن الطائرة توجهت إلى مطار Port Sudan المعقل الرئيسي لحكومة المجلس الانتقالي السوداني، وبقيت هناك عدة ساعات قبل أن ترجع ثانية إلى دمشق بنفس سجل الرحلة.
عاد فريقنا لمراجعة أرشيف رحلات الطائرة على مواقع الملاحة الجوية، خاصة أن عدة مصادر غربية كانت قد أشارت في وقت سابق إلى مساعٍ روسية لتفعيل اتفاق سابق مع الجيش السوداني لتأسيس قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر، ضمن استراتيجية روسيا لتوسيع نفوذها البحري ودعم طرفي الصراع في السودان ممثلين بقوات الدعم السريع والجيش السوداني.
فتبين أن الطائرة قد قامت بجسر جوي كثيف بين دمشق ومطار بنغازي، المعقل الرئيسي لقوات حفتر المدعومة من روسيا بين عامي 2021 و2024 تقريبًا، وقد مارست تضليلًا تقنيًا في غالبية تلك الرحلات كإخفاء معلومات الإقلاع والوجهة أو مشاركة إشارتها بشكل متقطع مع الرادار.
كما كشف أرشيف رحلات الطائرة، ان رحلاتها بين دمشق وبنغازي قد توقفت مؤقتا في يوليو وأغسطس الماضي، ثم عادت لتنشط في الشهور التي تلت ذلك، بمعدل 4 رحلات في سبتمبر، و3 رحلات في أكتوبر و4 رحلات في نوفمبر ورحلتين في ديسمبر الحالي.
ماذا كانت تفعل الطائرة في مطار بنغازي؟بمراجعة سجل الطائرة وتحليله، تبين لنا أنه بعد بدء فصائل المعارضة المسلحة هجومها على مناطق سيطرة نظام بششار، وبالتزامن مع وصول المعارضة إلى مشارف مدينة حمص، قامت الطائرة برحلة من دمشق إلى بنغازي، ذهابًا وإيابًا في الثالث من ديسمبر الحالي.
إلا أننا لم نجد مطار “بنغازي” الليبي على الموقع الإلكتروني لشركة الطيران السورية التي تتبع الطائرة لها، كإحدى وجهات رحلاتها المدنية أو التجارية، بحسب ما قاد إليه مراجعة نظام الحجوزات الخاص بالشركة على موقعها الإلكتروني، وبالتالي توصل فريق “إيكاد” إلى نتيجة مفادها أن تلك الرحلات لم تكن لأغراض مدنية اعتيادية، لا سيما تلك الرحلات التي جرت بعد انهيار الدفاعات العسكرية لنظام بشار أمام هجمات المعارضة المسلحة.
وما يدعم تلك النتيجة، هو أن طائرة YK-ATA التابعة لشركة الطيران السورية سبق وأن وردت في تقرير قد أشار لتورطها -في وقت سابق- في القيام برحلات جوية لنقل معدات عسكرية أو مرتزقة من إيران إلى سوريا.
(4).
وقد سُيرت هذه الرحلات في إطار العلاقات التي جمعت بين النظام السوري وحكومة حفتر، تحت إشراف الدعم الروسي العسكري الاستراتيجي لكليهما، إذ وثقت عدة تقارير نشرتها وسائل إعلامية -في وقت سابق- إرسال النظام السوري مئات المقاتلين السوريين للقتال إلى جانب قوات حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني عام 2020.
(5).
كما نشرت عدة حسابات إعلامية صور أظهرت مقاتلة من طراز L-39 التدريبية الهجومية في مطار “النيرب العسكري” في حلب بعد سيطرة الفصائل المسلحة عليه.
ورغم امتلاك النظام السوري طائرات من طراز L-39 بالأساس، إلا أن التحليل البصري لصور طائرات L-39 التي وثقها المقاتلون السوريون بعد سيطرتهم على مطار حلب العسكري، كشفت أن الطائرات السورية تحمل ألوانًا مختلفة، يظهر بينها اللون الأخضر والأبيض، وهي ألوان موجودة بالعلم السوري.
أما ألوان الطائرة التي وُجدت بمطار “النيرب” فكانت خليط بين الأسود والأصفر الصحراوي، وهي ألون ُطابقة -تمامًا- لألوان طائرات قوات “حفتر” العسكرية كما ظهرت بتقارير سابقة، ما يشير لاحتمالية أن تكون هذه الطائرة تابعة لقوات حفتر، وكان وجودها في مطارات النظام السوري في إطار تنسيق عسكري بين نظامي بشار وحفتر.
نخلص مما سبق إلى أن طائرة IL-76 السورية كانت محورًا لأنشطة مشبوهة، لصالح نظام بشار الأسد، فقد أشارت الأدلة التي كشفها هذا التحقيق إلى أن الطائرة قد قامت برحلات إلى بورتسودان وبنغازي لدعم عمليات عسكرية واستراتيجية، ونقل عتاد عسكري ومرتزقة.
كما أظهر سجل رحلات الطائرة بوضوح العلاقات الوثيقة بين النظام السوري وروسيا وحلفائها مثل الحكومة الانتقالية بالسودان وحكومة حفتر ببنغازي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك