استجابة لاقتراح مشترك من وزراء الحرب والمالية والعدل، صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي على ابتداء عمليات تسجيل الأراضي في الضفة الغربية، للمرة الأولى منذ سنة 1967، بانتهاك صارخ لقرارات أممية عديدة، خاصة رقم 2334 أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2016، الذي يطالب بوقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وعدم شرعية إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967.
أكثر من هذا، ولعله الأهمّ من حيث الدلالة السياسية، أن قرار حكومة الاحتلال يدقّ مسماراً جديداً في ما تبقى من نعش اتفاقيات أوسلو لسنة 1995، بالنظر إلى أن عمليات تسجيل الأراضي، أي استملاكها فعلياً من جانب دولة الاحتلال قبيل تمليكها إلى مستوطنين أو مؤسسات استيطانية حكومية أو خاصة، تشمل المنطقة (ج) التي أخضعتها نصوص أوسلو لسيطرة إسرائيلية عسكرية ومدنية كاملة، شريطة أن تُعاد تدريجياً إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي لم يحدث عملياً.
كذلك فإن قرار تسجيل الأراضي، بما تضمنه من تخصيص ميزانية بقيمة 244 مليون شيكل واستحداث 35 وظيفة في مختلف الوزارات والهيئات الحكومية لتنفيذ أعمال التسجيل، إنما ينقل إلى مستويات التطبيق الفعلي قرارات سابقة اتخذها مؤخراً مجلس الاحتلال الوزاري الأمني، وقضت بتوسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية لتشمل المنطقتين (أ) و(ب) من الضفة الغربية.
وبموجب نصوص أوسلو تخضع المنطقة (أ) للسيطرة الفلسطينية الكاملة، والمنطقة (ب) للسيطرة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، وليست القرارات الإسرائيلية الأخيرة أقلّ من إبطال على الأرض لما جاءت به الاتفاقيات على الورق.
واستملاك الاحتلال لأراض فلسطينية في المنطقة (ج) يعني عملياً مصادرة ما يقارب 61٪ من مساحة الضفة الغربية، التي سوف تُخصص لاحقاً لأفراد إسرائيليين بمعدل 99٪، مقابل 0,24٪ للفلسطينيين، حسب تجارب استملاك قسري سابقة كشفت عنها النقاب منظمات إسرائيلية مثل “السلام الآن”.
وهذا يعني إفساح المجال أمام توسيع نطاق البؤر الاستيطانية التي لن يطول الوقت حتى تتحول إلى مستوطنات أمر واقع، كما يترجم تصريح وزير المالية المتطرف العنصري بأن قرار الاستملاك “ثورة استيطانية”.
وإذا كان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد رضخ لاعتراض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على المشاريع الإسرائيلية لضمّ الضفة الغربية، فإن قرار الحكومة الأخير حول تسجيل الأراضي، وبالتالي استملاكها عملياً، إنما يلتف على اعتراض البيت الأبيض في صيغة “ناعمة” من حيث الشكل، ولكنها خشنة وثقيلة وفظة من حيث المضمون.
ذلك يفسر ردود الأفعال الأمريكية الرسمية الخجولة على مبادرة وزراء الحرب والمالية والعدل، الذين ليسوا في نهاية المطاف سوى أصوات سيدهم رئيس الحكومة.
وهذه القرارات العنصرية والاستيطانية والتمييزية، وسياسات الائتلاف الإسرائيلي الحاكم جميعها في الواقع، جديرة بما هو أجدى فاعلية من إطلاق نداءات الاستنكار والإدانة والمناشدة من جانب السلطة الفلسطينية والدول العربية وما يسمى المجتمع الدولي.
وأمّا في الشارع الشعبي الفلسطيني، فإذا لم تكن هذه جديرة بتنشيط أشكال مقاومة عميقة وجذرية، فأي نهج للاحتلال يتوجب أن يطلق انتفاضة جديدة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك