وفي ضوء هذا الواقع المعقد، تتقدم طهران وواشنطن إلى الجولة الثانية من مفاوضاتهما غير المباشرة في جنيف، محمَّلتين برسائل ردع متبادلة تختبر حدود الدبلوماسية تحت الضغط، ومعادلات تحمل أبعادا إستراتيجية تتجاوز الإقليم إلى النظام العالمي واستقراره.
وعشية هذه الجولة، أعلنت طهران تنفيذ مناورات بحرية في مضيق هرمز، في رسالة أوضحها ساسان كريمي -المساعد السابق لنائب الرئيس الإيراني- وتفيد بأنها لا تنفصل عن واقع التهديدات القائمة، ولا عن سعي إيران في الوقت نفسه إلى التفاوض.
وتُظهر إيران جاهزيتها العسكرية، لكنها ليست بصدد تعطيل الملاحة أو خرق قوانين البحار، وتبقى ملتزمة بالممرات الدولية، مع احتفاظها بقدرتها على الرد إذا تعرضت لهجوم، حسب حديث كريمي لبرنامج" للقصة بقية" على الجزيرة.
ويرى أن إسرائيل تسعى إلى جر الولايات المتحدة نحو حرب إقليمية شاملة مع إيران، معتبرا أن مثل هذا السيناريو لن يخدم واشنطن ولا طهران ولا المنطقة، في حين ستكون الفائدة كاملة لصالح إسرائيل.
وفي المقابل، يؤكد المسؤول الإيراني السابق أن لدى طهران وواشنطن مصلحة مشتركة في إدارة التوتر والسيطرة على الوضع، حتى من دون الذهاب مباشرة إلى تطبيع كامل للعلاقات.
وفي قراءة أوسع للمشهد، شدد كريمي على أن الولايات المتحدة -وإن كانت الفاعل العسكري الأكبر في المنطقة- فهي أيضاً الهدف الأكبر، وأن كلفة أي حرب ستكون مرتفعة على الطرفين، مع خسائر بشرية وتدمير أصول إستراتيجية، دون مصلحة واضحة.
ومن هنا، فإن إيران -رغم وضع" إصبعها على الزناد" كما يقول كريمي- فإنها تريد التوصل إلى اتفاق، ولا تُفاوض من أجل التفاوض أو إضاعة الوقت، معتبرا أن الطرفين يدركان توقيت التفاوض وجدواه.
في الجهة المقابلة، يؤكد العقيد سيرجيو دي لا بينيا -نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق- أن بلاده تفضل المسار الدبلوماسي، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب شدد مرارا على أن الدبلوماسية هي الخيار الأفضل لحل النزاع.
لكن هذا التوجه -وفق دي لا بينيا- لا ينفصل عن امتلاك أدوات أخرى، إذ إن الدبلوماسية تحتاج إلى دعم بقدرات عسكرية تضمن حماية المصالح.
وبشأن التناقض الظاهر بين الدعوة إلى التفاوض والحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة، يرى دي لا بينيا أن الأمرين متكاملان، إذ لا بد من امتلاك أكثر من أداة لتحقيق الأهداف، وضمان مصالح واشنطن وحلفائها عندما تتعرض للتهديد.
وحول الجدل المتعلق بمبدأ" أمريكا أولا أم إسرائيل أولا"، يؤكد المسؤول الأمريكي السابق أن سياسة واشنطن تضع المصالح الأمريكية في الصدارة، مع الالتزام بالتعامل مع التهديدات التي تطال الحلفاء في إطار المصالح المشتركة.
كما يشير إلى تاريخ من المواجهات بين إيران والولايات المتحدة، مؤكدا أن واشنطن لا تفضل تكرار هذا المسار وتسعى إلى حل تفاوضي.
وكانت إيران قد اعتمدت -في المساحة الرمادية التي تفصل بين الدبلوماسية والحرب الشاملة-" عقيدة هجينة"، تمزج بين حروب الوكالة والردع الصاروخي بهدف تأمين عمق إستراتيجي يحصن الجبهة الداخلية، كما جاء في البرنامج.
ووفقا لمعهد" بروكيغنز"، يجري انتقال قسري من إستراتيجيات الاحتواء إلى الحسم المنهجي، بما يتجاوز منطق حروب الظل والمنطقة الرمادية، نحو مواجهة أكثر مباشرة تدرج فيها الأصول السيادية لجميع الأطراف ضمن نطاق الاستهداف.
أما جوهر المفاوضات، فيبقى -وفق كريمي- محصورا في الملف النووي والعقوبات، فطهران ترى أن رفع العقوبات يمثل الأولوية القصوى، في حين تعتبر واشنطن منع إيران من امتلاك سلاح نووي الهدف الأساسي.
وفي ضوء ذلك، يرفض الجانب الإيراني إدراج برنامج الصواريخ الباليستية على طاولة التفاوض، باعتباره" أداة الردع والدفاع الأساسية"، وأي قيود عليه تمس السيادة والاستقلال في اتخاذ القرار.
في المقابل، يشير دي لا بينيا إلى أن واشنطن تطرح مخاوف إضافية تتعلق بأنشطة إيران الإقليمية، ودور فيلق القدس -المتخصص في إدارة العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني– وأمن الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى الصواريخ الباليستية، مؤكدا أن هذه الملفات ستُبحث ضمن ما سيقدمه فريق التفاوض للرئيس الأمريكي.
وعلى المستوى الاقتصادي، يرى المتحدث الأمريكي أن تخفيف العقوبات ممكن إذا جرى التفاوض بحسن نية، في حين شدد كريمي على أن أي صفقة يجب أن تقوم على مبدأ التوازن، محذرا من أن التفاوض تحت الضغط لا يفضي إلى اتفاق ناجح أو مستدام، وأن أي نجاح سريع قد يكون محدود الأثر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك