حكاية الكلمات المرقونة أدناه ثاوية جيناتها الأولى في بدايات ” الحكاية الكبرى ”، أو ما وصل لنا منها ….
كان بحثي، و مازال، عن الحوارات القرآنية أي الواردة في القرآن الكريم، مثْنها، سياقها، جَرْسها، خصوصيات أطرافها ….
نملة تُحذِّر قومها من الفناء و تجد عذرا ” للقتلة ” المُحتَملين بكونهم ” لا يشعرون” … هدهد يقول لرسول و ملك ” أسطوري ”: ﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
و شيطان يقسم لله بعزة الله أن يغوي عباد الله، ويسأل الله أن يُنْظِره حتى يتم ” رسالته ”، و ملائكة يسألون الله، و هو الذي لا يُسأل و هو الفعال لما يريد: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾….
و بين النملة و الملائكة، أنبياء و أتقياء، و أشقياء و تُجّار و فُجّار….
و في الفصل الأخير حوارات أخرى بأبعاد أخرى و في أجواء أخرى … تسمع في إحدى أطرافها ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ و في الطرف الآخر يبرِّر البعض: ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾، ثم يأتي إبليس وهو من القلائل الذين تحدثوا في المراحل الثلاث قبل و أثناء و بعد التكليف، فيخطب ” العصماء الإبليسية ”: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
لست أروم هاهنا بسط التفاسير و التفاصيل و القيام بالمقارنات و ترجيح المقاربات، كل ما في الأمر هو محاولة كشف ” السيرورة ” التي ولدت على مهادها تلكم ” الكلمات المرقونة أدناه”….
أمّا قبْل، فقد ارتأيت اعتماد الترتيب الكرونولوجي للحوارات بُغيَة إيجاد علاقة منطقية بين الأشياء.
و عليه فقد اطمأننت إلى أن أقدم حوار مذكور في كتاب الله هو قوله تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾[ فصلت: 11]، حوار قصير بين الخالق وبعض ما خلق في زمان آخر و مكان آخر، أو ربما في اللازمان و اللامكان.
و أما بعد، فقد تبدَّى لي أن التيسير في البدايات ليست دائما علامة الإذن أو على الأقل الإذن المطلق.
وأن انسيابية المبتدأ لا تعني أن ” ماءك قريب ”.
وجدتُني و قد استشكل علي الأمر في آيتين قد اختُلِف في ترتيبهما الزمني و هما قوله تعالى ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[ الأحزاب: 72] )نفترض أن ثمة حوار جرى بين الله عز وجل و السماوات و الأرض و الجبال و الإنسان (، وقوله عز و جل ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾ سورة الأعراف (172) أي بين ما يعرف بعرض الأمانة و الميثاق الذرّي.
وكعادتي، كلما تلعثمت اليراعة، أرخيت لجام عقلي، فإذا به يتفلَّتُ من العليا إلى الدنيا … وكأنه يبحث عن إنجاز ما كيفما كانت أهمِّيته … و كأنه خاطب نفسه، و ماذا عن الأرض… ترى ما هو أول حوار سجله القرآن بلسان البشر فوق هذه البسيطة؟أَول خطاب بشري سجّله القرآن، ليس تحية …و ليس طلب مساعدة … بل تهديد أخ لأخيه بالقتل.
و فجأة ظهر الغراب أمامي… ” ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾[ سورة المائدة: 31] ”….
نعم أول مبعوث للبشر كان غراباً.
يبدو أن ما بيننا و بين الغراب ليست مسألة تشاؤم بقدر ما هي مسألة إحساس بالعار أو ربّما بالتعرّي….
استرجعت اللّجام، لجام عقلي، وتساءلت بجدية و وعي ما الحكمة من إرسال الغراب بالضبط….
وكعادتي مرة أخرى، أجلت موضوع الحوارات القرآنية، و انخرطت في ” حوارات أخرى ” مع الذكاء الإصطناعي.
استمرأت الحديث مع هذا الإختراع الخطير اللذيذ، إذ لا جدال و لا خلفيات و لا انتصار للرأي، بل سيل من المعلومات امتزج الصواب فيها بالمتتشابه و بالخطأ البيِّن خطؤه.
و طبعا تجاوزنا سؤال لماذا الغراب إلى مقاربات فلسفية و صوفية ….
فكان هذا المقال الجميل، من تأليف الخوارزميات و بتأطير و تشديب من عبد ربه.
في البدء لم يكن الدم، بل كان العهد.
كان الإنسان في حضرة الغيب، فأُشهد على نفسه، فاستجاب.
وحين عُرضت الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال كما في سورة الأحزاب، قبلها؛ ظلوميّةً وجهولًا أو عاشقًا لمقام الخلافة.
وسجدت له الملائكة اعترافًا بالسرّ المودَع فيه، بالعلم الذي أُفيض عليه في سورة البقرة.
لكن الشرخ بدأ مبكرًا.
قبل الدم كانت الشجرة.
هناك—في ظلال الاختبار الأول—نسي ولم نجد له عزمًا كما جاء في سورة طه.
كان النسيان بذرة السقوط، وكان ضعف العزم أول تصدّعٍ في جدار الوعي.
من الشجرة إلى الجثة… مسافةُ نسيانٍ واحدة.
1) بين الشجرة والجثة: أنثروبولوجيا الفجوة.
الإنسان يولد مفتوحًا على الاحتمال؛ ليس مكتمل البرنامج كالحيوان، ولا مفطورًا على الطاعة المحضة كالملَك.
وفي الجثة اكتشف أنه إذا نسيَ مرتين، سال الدم.
عند أول قتيلٍ على الأرض، وقف حاملُ الأسماء أبكم.
الذكاء الذي وُهب له ليبني، استُعمل ليهدم.
ولم يعرف كيف يستر ما صنع.
هنا يتقدّم غرابٌ يبحث في التراب كما في سورة المائدة؛ لا ليمنح الإنسان عقلًا جديدًا، بل ليذكّره بما بقي من فطرته.
وفي حفرةٍ صغيرة، يؤسس أول طقسٍ ثقافيٍّ بعد الجريمة: الاعتراف بالموت، والاعتراف بالحدّ، والاعتراف بأن للخطأ تبعةً تُوارى ولا تُنكر.
الطبيعة التي قيل لها: ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين كما في سورة فصلت—ظلّت أقرب إلى ميزانها من إنسانٍ خانه ميزانه.
وهكذا صار الحيوانُ أستاذًا لأن الإنسان نسي إنسانيته.
لو جاء مَلَكٌ، لتعذّر القاتل بعلوّ رتبة المعلّم.
لكن أن يكون المعلّم غرابًا—أسودَ الجناحين، صامتَ البيان—فهذا كسرٌ لهيبة النفس الأمّارة.
الملائكة قالت: لا علم لنا إلا ما علمتنا فارتفعت باعترافها.
أما الإنسان فظنّ أن امتلاك الأسماء حصانة؛ فإذا به يقف عاجزًا أمام أبسط معنى: الأخ.
السواد هنا ليس نقصًا، بل ليلُ التجلي؛ حيث تنطفئ ادّعاءات العقل ليولد نورُ الانكسار.
قال القاتل: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب… ثم انشقّ قلبُ العبارة عن فجرها: فأصبح من النادمين.
الندم ليس انكسارًا مهينًا؛ إنه عودةُ الروح إلى مقامها، واستردادُ العزم الذي فُقد عند الشجرة.
3) فلسفة السوأة: ما يُوارى في الأرض… وما يُبعث في القلب.
لأن الجثة شاهدٌ ماديٌّ على فشل المشروع الأخلاقي.
الغراب لا يوارِي اللحم فحسب؛ يوارِي الخيبة، ويُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والأرض.
الخلافة ليست امتيازًا، بل مسؤوليةٌ تبدأ من احترام الموت.
الملائكة سبّحت لأنها لا تعرف إلا النور.
الجمادات أطاعت لأنها لا تملك إرادة المخالفة.
أما الإنسان فمُنح الإرادة—وهنا الامتحان.
الحرية مجدٌ وخطر.
ومن الشجرة تعلّم أنه ينسى؛ ومن الجثة تعلّم أن النسيان إذا لم يُعالج بالعزم، صار عنفًا.
الغراب جاء ليُعيد تعريف الحرية: ليست أن تقدر على المخالفة، بل أن تُحسن الرجوع.
ومن حفرة التراب وُلد أول اعترافٍ داخليٍّ بعد الدم: فأصبح من النادمين—كأن الندم هو البعثُ الحقيقي بعد موت الأخ.
لم يكن أول مبعوثٍ بعد أول جريمة مَلَكًا، لأن الموقف لم يكن مقام تشريع، بل مقام تربية.
ولم يكن إنسانًا، لأن الإنسانية كانت في امتحانها الثاني بعد امتحان الشجرة.
كان غرابًا… ليقول إن الحكمة قد تسكن الهامش، وإن من نسي العهد قد توقظه فطرةُ طائر.
وبين النسيان والندم مسافةُ حفرةٍ في التراب—.
حفرةٍ علّمت الإنسان أن الخلافة لا تُحفظ بالعلم وحده،
بل بالعزم إذا تذكّر، وبالندم إذا أخطأ،

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك