حين يتقدَّم الطالبُ إلى اختباراتِ القدرات، يجدُ نفسَه أمام مرآةٍ أخرى غير تلك التي اعتادها في قاعةِ الدرس.
هناك، في فضاءِ الأسئلةِ المعياريَّة، يُمتحَن في مهاراتٍ تحليليَّةٍ واستدلاليَّةٍ وتركيبيَّةٍ لا تتطابق دائمًا مع ما تلقَّاه منهجيًّا، ومن خلال تجربتي في الميدانِ التربوي، أرى أنَّ اختباراتِ القدرات تمثِّل ظلًّا لما يُعطى داخل الصف، لا انعكاسًا كاملًا له؛ إذ تقيس مهاراتٍ عليا في اللغةِ والرياضيات تتجاوز حدودَ التذكُّر والفهمِ المباشر إلى التحليلِ، والمقارنةِ، وبناءِ العلاقات، وحلِّ المشكلات في سياقاتٍ جديدةٍ.
في جانبِ اللغةِ العربيَّة، لا تكتفي اختباراتُ القدرات بسؤالٍ عن معنى مفردةٍ أو تحديد فكرةٍ عامَّةٍ، وإنَّما تمتحن قدرةَ الطالب على استنباطِ الدلالةِ الضمنيَّة، وتمييزِ الحجَّةِ الأقوى، وتحليلِ البنيةِ الحجاجيَّة للنص، واكتشافِ الخللِ المنطقي في الاستدلال.
بينما تظلُّ كثيرٌ من المقرراتِ الدراسيَّة أسيرةَ الأسئلةِ المباشرة التي تدور حول تعريفاتٍ وقواعدَ محفوظةٍ، دون تدريبٍ منهجيٍّ كافٍ على توظيفها في مواقفَ لغويَّةٍ مركَّبةٍ.
أمَّا في الجانبِ الكمي، فإنَّ الاختبارات لا تقيس إتقانَ القوانين فحسب، وإنَّما تقيس القدرةَ على اختيارِ الاستراتيجيَّةِ الأنسبِ للحل، وتفكيكَ المعطيات، وبناءَ نموذجٍ رياضيٍّ للمسألة.
الطالبُ الذي اعتاد مسائلَ نمطيَّةً متكرِّرةً قد يربكه سؤالٌ يتطلَّب قراءةً دقيقةً، أو تحويلَ نصٍّ لفظيٍّ إلى معادلةٍ، أو مقارنةً بين حلولٍ محتملةٍ.
هنا يتجلَّى الفارق بين تعليمٍ يركِّز على الإجراء، واختبارٍ يقيس تفكيرًا عميقًا.
إنَّ الإشكاليَّة ليست في صعوبةِ الاختبار، وإنَّما في الفجوةِ بين ما يُدرَّس وما يُقاس.
الجامعات، في سعيها لانتقاءِ طلابٍ قادرين على مواصلةِ البحثِ والتعلُّمِ الذاتي، تعتمد أدواتٍ تقيس مهاراتِ التفكيرِ العليا والمهاراتِ الأدائيَّةَ المرتفعة، غير أنَّ هذه المهارات لا تُبنى في أسابيعَ تدريبيَّةٍ سريعة، وإنَّما تحتاج إلى إدماجٍ منهجيٍّ داخل المقررات، يبدأ مبكِّرًا منذ مراحلِ التعليمِ الأساسي؛ إذ إنَّ تأسيسَ مهاراتِ التحليلِ والاستدلالِ وحلِّ المشكلات في الصفوفِ الأولى يرسِّخ بنيةً ذهنيَّةً قادرةً على التعاملِ مع الأسئلةِ المركَّبة لاحقًا بثقةٍ واقتدارٍ.
ومن هنا أقترح جملةً من المعالجاتِ العمليَّة.
أولها: إعادةُ بناءِ جزءٍ من التقويمِ المدرسي ليحاكي نمطَ أسئلةِ القدرات، من خلال إدراجِ نصوصٍ قصيرةٍ تتطلَّب تحليلًا نقديًّا، وأسئلةٍ تقيس الاستنتاجَ والمقارنةَ والترجيح، وثانيها: تضمينُ المقرراتِ الرياضيَّة مسائلَ سياقيَّةً مفتوحةَ النهاية، تتعدَّد فيها طرائقُ الحل، ويُطلب من الطالب تبريرٌ لاختيارِه.
وثالثها: تدريبُ المعلِّمين على تصميمِ أسئلةٍ تقيس مهاراتِ التفكيرِ العليا، مع تحويلِ الحصَّةِ إلى ورشةِ تفكيرٍ لا إلى مساحةِ تلقينٍ.
كما أرى أهميَّةَ إنشاءِ بنوكِ أسئلةٍ مدرسيَّةٍ تحاكي اختباراتِ القدرات، تُقرّر تدريجيًّا في الصفوفِ المتوسطةِ والثانويَّة، حتى يألف الطالب هذا النمطَ من التفكير؛ فالمطلوب ليس تدريبًا على الاختبار بقدر ما هو تأسيسٌ لعقليَّةٍ تحليليَّةٍ ناقدةٍ.
إنَّ اختباراتِ القدرات، في جوهرها، ليست خصمًا للمناهج، وإنَّما مؤشر يكشف جوانبَ القوَّةِ والقصورِ في بنيةِ التعليم، وإذا أردنا إعدادًا حقيقيًّا لطلابنا للجامعةِ والحياةِ معًا، فعلينا أن نجعل من مهاراتِ التفكيرِ والتحليل جزءًا أصيلًا من الدرسِ اليومي، حتى لا يبقى الاختبار ظلًّا بعيدًا، وإنَّما يصبح امتدادًا طبيعيًّا لمسارٍ تعليميٍّ ناضجٍ ومتوازنٍ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك