يصل بنا اختلاف الآراء أحيانًا إلى طريقٍ مسدود، فنقف أمام بعضنا لا لنفهم، بل لندافع.
يتحوّل الحوار من مساحةٍ للتقارب إلى ساحةِ مواجهة، وكأن كل طرفٍ يسعى للانتصار لا للاتفاق، ولإثبات الذات لا لاكتشاف الحقيقة.
عندها يفقد النقاش روحه، ويتحوّل إلى حلبة مصارعة فكرية، تتصادم فيها الكلمات بدل أن تتكامل.
إن تضارب الآراء أمرٌ طبيعي، بل وصحيّ، فهو دليل على تعدد الزوايا واختلاف التجارب وتنوّع الرؤى.
غير أن الإشكال لا يكمن في الاختلاف ذاته، وإنما في الطريقة التي نُديره بها.
حين نخلط بين الفكرة وصاحبها، وحين نعتبر التراجع عن الرأي هزيمة، يصبح الحوار ساحة شدٍّ وجذب، تُستنزف فيها الطاقات، ويُهدر فيها الاحترام.
في خضم الرغبة في الانتصار، نفقد أهم وسيلة من وسائل الرقي في الحوار: الإنصات.
فالإنصات ليس انتظارًا لدور الحديث، بل هو استعداد حقيقي للفهم.
هو اعتراف ضمني بأن الآخر قد يرى ما لا نراه، ويملك تجربة مختلفة تستحق أن تُسمع.
وحين يغيب الإنصات، يغيب معه التفاهم، ويتحوّل النقاش إلى أصواتٍ متقاطعة لا تلتقي.
إن احترام وجهات النظر لا يعني تبنّيها، كما أن تقبّل الآخر لا يعني التنازل عن القناعات.
بل هو وعيٌ بأن الاختلاف سنةٌ إنسانية، وأن الرقيّ في الطرح، والهدوء في النقاش، والمرونة في التفكير، هي سمات العقل الناضج.
فالفكرة تُطرح بأسلوبٍ راقٍ، وتُناقش بهدوء، وتُقبل أو تُردّ بأدب، دون تجريح أو تقليل.
نحن لا نحتاج إلى أن نتشابه كي نتآلف، ولا إلى أن نتطابق كي نحترم بعضنا.
ما نحتاجه حقًا هو ثقافة حوارٍ تقوم على الفهم قبل الحكم، وعلى الإصغاء قبل الرد، وعلى البحث عن الحقيقة لا عن الغلبة.
فحين نُدرك أن اختلاف الآراء لا يُنقص من قدرنا، بل يُثري وعينا، نتحرر من وهم الانتصار، وننتقل إلى فضاء الشراكة الفكرية.
وعندها فقط، يصبح الحوار وسيلة بناء لا أداة هدم، وجسرًا للتقارب لا حاجزًا للتباعد.
وفي النهاية… يبقى الودُّ أسمى من الرأي، والعلاقة أعمق من الموقف، لأن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك